منسقية المعارضة الديمقراطية : مذكرة 7 مايو 2010

0
1099

منسقية المعارضة الديمقراطية : مذكرة 7 مايو 2010
في السابع عشر من ابريل الماضي، وخلال مهرجان شعبي حاشد، طالب قادة منسقية المعارضة الديمقراطية علنا برحيل محمد ولد عبد العزيز. و قد بادر أنصار النظام بتأويل ذلك المطلب على أنه  » دعوة للتمرد » بل و « لانقلاب عسكري »، في حين أرادت منه المعارضة نداء من جل تكثيف النضال الديمقراطي سبيلا إلى كشف عجز هذه السلطة التي باتت تشكل خطرا على البلاد، والتعجيل برحيلها. لقد جاء هذا الموقف ثمرة تأمل معمق للأوضاع التي تتخبط فيها البلاد، و ذلك انطلاقا من أربعة محاور رئيسية :


1-  تنكر النظام لاتفاقية داكار

كان يفترض أن تمكن اتفاقية داكار موريتانيا من تجاوز الأزمة الخطيرة الناجمة عن انقلاب 6 أغسطس 2008 و من العودة إلى النظام الدستوري بشكل هادئ و مقبول. إلا أن محمد ولد عبد العزيز شرع فور توقيع الاتفاق في انتهاكه، مكتفيا بتنفيذ البنود التي تخدم بقاءه في السلطة.  و نذكر من بين تلك الانتهاكات ما يلي، وعلى سبيل المثل لا الحصر  :

ü          التلاعب باللوائح الانتخابية الذي لم يعد موضع تشكيك؛

ü          انحياز الجيش حيث كان ضباط سامون يعملون علنا في حملة المرشح محمد ولد عبد العزيز؛

ü          الإبقاء على المجلس العسكري الذي اجتمع غداة استقالة رئيس الجمهورية رغم حله الصوري الذي أعلن قبل ذلك؛ 

ü          مصادرة الوزير الأول لمرسوم تعيين فروع اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات ؛

ü          استمرار مفوضيتي الأمن الغذائي و حقوق الإنسان في توزيع الإسعافات باسم حملة المرشح محمد ولد عبد العزيز؛

ü          ترخيص السلطات لقناة دافا التلفزيونية التابعة لحملة المرشح محمد ولد عبد العزيز وحظرها و مصادرتها لمعدات إذاعة For Mauritania الداعمة لأحد مرشحي المعارضة ؛

ü          إصدار مرسومين يستدعيان الهيئة الانتخابية من جانب واحد: كان أولهما مرسوم 23 يونيو الذي رفضه المجلس الدستوري و الثاني المرسوم الذي أصدره الوزير الأول بدون علم الحكومة الانتقالية متنكرا بذاك لتعهداته بالحياد. و قد اعتبر المرسومان بمثابة انقلابين مدنيين فشل الأول منهما و مكن الثاني محمد ولد عبد العزيز من تنظيم اقتراع 18 يوليو 2010 بشكل أحادي وعلى مزاجه.

وبرغم تلك الانتهاكات، التي نددت بها في حينها، آثرت المعارضة الديمقراطية الامتناع عن أي تصرف من شأنه الإخلال بسير المسلسل الانتقالي الذي كان موضع إجماع، نظرا لكون الحوار الوطني الذي نص عليه اتفاق داكار كان من شأنه، بغض النظر عن نتائج الاقتراع، أن يمكن موريتانيا من معالجة و تجاوز القضايا الجوهرية ذات الصلة بترسيخ الديمقراطية وتحصين البلاد من التغييرات غير الدستورية للسلطة. و قد أعطت المعارضة الديمقراطية بذلك أبلغ دليل على تشبثها بمصالح البلد و بروح المسؤولية.

2- لا يزال النظام عسكريا في جوهره رغم القناع الديمقراطي

 بعد الانتخابات و إعلان النتائج بشكل غير قانوني على أساس محضر مزيف من اللجنة المستقلة للانتخابات، رفض رئيس النظام المطلب الوحيد و المشروع للمعارضة، القاضي بفتح تحقيق حول المخالفات التي شابت الاقتراع ؛علما أن المعارضة التي ظلت دائما ترفض التجاوب مع الاستفزازات التي مثلتها انتهاكات الاتفاق كانت ستقبل دون شك بنتائج مثل ذلك التحقيق، أيا كانت. إلا أن ولد عبد العزيز برفضه لذلك المطلب و حرصه على فرض الأمر الواقع، فوت على نفسه فرصة أولى لإضفاء الشرعية الديمقراطية على نظامه ومن ثم عزز ما شاب الاقتراع و الشرعية التي يدعيها اليوم من شبهات. و لا شك أن التطورات اللاحقة و ما أفضت إليه من أوضاع راهنة  تؤكد كلها سلامة ودقة توقعات المعارضة الديمقراطية و مواقفها. ولا أدل على ذلك من التصريحات التي صدرت مؤخرا عن رئيس اللجنة المستقلة للانتخابات بشأن عدم شرعية محضر اللجنة الذي اتخذ أساسا لإعلان النتائج، و تلك الصادرة عن مسئول فرنسي سام،  قال فيها إن محمد ولد عبد العزيز قام ب"تنظيم انتخابات مزورة"  كاشفا النقاب في نفس الوقت عن أن فرنسا"تغاضت عن ذلك".

ثم إن اتفاق داكار نص (النقطة الرابعة، الفقرة 7) على أنه من أجل احتواء الأزمات و الخلافات التي قد تبقى عالقة بعد الانتخابات الرئاسية و بهدف تحقيق المصالحة الوطنية و إرساء الاستقرار السياسي – مع إيجاد حل توافقي لإشكالية دور المؤسسة العسكرية و الأمنية في النظام الديمقراطي باعتبارها مصدرا دائما للاضطرابات السياسية في البلاد – يلتزم الفرقاء بالشروع في حوار شامل. وكان ذلك الحوار الذي من شأنه مد الجسور بين فرقاء الساحة السياسة و التخفيف من عزلة النظام في الداخل  يتيح هو أيضا مناسبة لمحمد ولد عبد العزيز لتلميع صورة نظامه. ولكن الأخير برفض الفرصة المتاحة فشل مجددا في وضع حد للجدل بشأن مشروعية سلطته، خلافا لما تمليه التقاليد السياسية في الأنظمة الديمقراطية بل وما يمليه الحد الأدنى من الحس السياسي. فأي سلطة خارجة من انتخابات – سواء كانت قوبلت نتائجها المعلنة بالقبول أو بالرفض من لدن الخصوم – تميل بطبيعتها إلى العمل من أجل التهدئة و تطبيع المناخ السياسي، حتى يتسنى لها ممارسة الحكم و تنفيذ برنامجها في جو من السكينة و الهدوء. و لكن النظام الحالي يسعى، على العكس، إلى تأجيج الأزمات و تكريس السلطة الفردية متجاهلا دعوات منسقية المعارضة الديمقراطية و مطالبات مجموعة الاتصال الدولية الملتئمة في نواكشوط في شهر سبتمبر 2009.  و الأخطر من ذلك أنه، في الوقت الذي كان عليه أن يعمل على التهدئة و المصالحة، شرع في تصفية الحسابات مع خصومه في الإدارة و عالم الأعمال، ثم بدأ في تشريع دولة بوليسية تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، مهددا المكاسب الديمقراطية و الحريات التي كرسها دستور  يوليو 1991. و كتتويج لنهجه الاستبدادي، ها هو محمد ولد عبد العزيز يتنصل من اتفاق داكار، الإطار الوحيد للخروج من الأزمة والأساس الذي ينبني عليه ما يدعيه من شرعية. انه بذلك يفند، هو نفسه، كل مرجعية شرعية لنظامه.

 

3– النظام ينتهك كافة قوانين الجمهورية و يحتقر مؤسساتها

إن محمد ولد عبد العزيز يتمادى في خرق قوانين البلد، محقرا بذلك بالمؤسسات و بفصل السلطات.

o                        ففور انتزاعه للسلطة، قام بالفصل التعسفي لموظفين سامين في الدولة كانوا يتمتعون بمأموريات محددة بالقانون: محافظ البنك المركزي ورئيس المجلس الاقتصادي و الاجتماعي.

o                        وهو يرفض إلى الآن الانصياع لقانون الشفافية المالية بالتصريح بممتلكاته،  كما يرفض تطبيق ذلك على أعضاء حكومته و الموظفين الذين عينهم أو عزلهم من مناصب عليا في الدولة.

o                        كما أمر بصرف خمسين مليون دولار – هبة من دولة صديقة لموريتانيا – بدون علم البرلمان. فهذا المبلغ، الذي صرح هو نفسه بأنه تم التصرف فيه، لم يظهر حتى الآن على ميزانية 2008 ولا 2009 ولا 2010!

o                        كما أخضع الجهاز القضائي للسلطة المطلقة للنيابة العامة، فأصبح السجن و التسريح وقرارات أخرى تمس حقوق الناس بين يديها، وتم تجريد القضاة من جميع الصلاحيات.

o                        ثم إنه ندد خلال مهرجان شعبي بقرار المجلس الدستوري القاضي بإلغاء قانون مكافحة الإرهاب، في استهزاء صارخ بتلك المؤسسة التي يستمد منها "شرعيته" المزعومة.

  إن من يرتكب مثل تلك المخالفات و هذا التجاهل لمؤسسات و قوانين الجمهورية يعتبر بحق خطرا على النظام الديمقراطي و على فصل السلطات.

 

 4- طريقة النظام في إدارة البلاد مدمرة

إضافة إلى تصرفه الدكتاتوري فالنظام الحالي، و بعد مرور عشرة أشهر على الانتخابات، لا يبدو عاجزا عن إدارة البلاد فحسب، و لكن طريقته في تسيير الشأن العام  تعتبرمدمرة و خطيرة على كيان موريتانيا. و لا أدل على ذلك مما يلي :

(1)      إن تسييره لأمور البلد لا يعتمد على أية رؤية سياسية و لا إستراتيجية تنموية ؛ فهو يدير الحكم بطريقة عشوائية و حسب مزاجه و نزواته. كما أن التوجه الشعبوي للنظام يكرس نظرة ضيقة للاحتياجات التنموية للبلد التي بات تحديدها و تنفيذها لا يخضعان سوى لإرادة و مزاج صاحب البلاط.

(2)      لقد باتت الإدارة مشلولة بعد أن تم إبعاد جميع الكفاءات للتخلص من المعارضين أو من يفترض أنهم كذلك و تم استبدالهم بمقربين ومساندين لرئيس السلطة الذي أصبحت ميوله الاستبدادية تخنق الحكومة و تقوض أداءها و ما تبقى من حس مهني لدى بعض الموظفين. و ها هي إدارتنا المركزية و الإقليمية تحول اليوم إلى جهاز تابع لحزب UPR، مجندة لصالح حملته انتسابه، مستعملة الرشوة و التهديد و المغالطة، متعمدة الخلط بين ا"الحزب" و الدولة.  

(3)      لقد تم تدمير النسيج الاقتصادي للبلاد و تعريض علاقاتنا مع الممولين للخطر: فالصيد و الاستغلال المنجمي و الزراعة و التنمية الحيوانية، كلها دمرت بسبب سياسات النظام الفاسدة. و لا أدل على ذلك من النهب الذي تتعرض له موارد اسنيم التي أضحت الممون الوحيد للخزينة العامة و إلغاء الحملة الزراعية ل 2009-2010 و ما نتج عنه من تعريض بعض سكاننا للمجاعة. و لم يكتف هذا النظام بإنهاك دعائم اقتصادنا، بل عمد إلى تعريض علاقتنا بالممولين بتنكره لالتزامات الدولة مع الشركاء (تحرير قطاع النقل) أو عجز الحكومة عن إعداد مشاريع مقنعة للاستفادة من بعض التمويلات الجاهزة، مما قد يحرم منها بلادنا.

(4)       وباتت الأسعار في ارتفاع مضطرد، حتى بالنسبة للمواد التي انخفض ثمنها على السوق العالمية مثل الأرز و السكر، الخ؛ مما يشكل عبئا اضافيا على كاهل المواطنين الذين يتعرض 250000منهم للمجاعة و أكثر من ذلك للعطش و الإمراض الخطيرة (عودة السل و الشلل و الحصباء).

(5)      وقد وصلت البطالة، خاصة لدى الشباب، مستويات مثيرة للقلق، مع ولوج 28000من حملة الشهادات لسوق العمل في ظل غياب أي مشروع أو مقاربة من شأنها إتاحة فرص للعمل.

(6)      أما الفساد، و قد ادعى محمد ولد عبد العزيز مواجهته بجسارة الفرسان، فقد وصل إلى مستويات لم نعرفها في الثلاثين سنة الأخيرة : فضائح تعلن عنها صحافتنا يوميا، و صفقات مشبوهة في وزارة الصحة التي أصبحت معقلا لمورد واحد مقرب من ولد عبد العزيز، و صفقات قطاع البناء و الأشغال العامة التي تسند لمنتخب مقرب من رئيس النظام هو الأخر(سجن ألاك)؛ شركات أصبحت مسخرة لإكراميات رجال السلطة أو التعامل مع مؤسساتهم (فضيحة بوفورص-أنير)، و تمويلات أخفيت ولم يبق لها أثر (الاتحاد الأوروبي يطالب بالإفصاح عن مصير 19مليون أورو اختفت) و أخرى لم تسجل في الميزانية (50 مليون دولار)، أجهزة إدارية تم تدجينها لخواص عن طريق المحسوبية…إذا أضفنا إلى كل هذا أن مجموعة متنفذة تستولي على قطاعات الاستيراد و التصدير و البناء و الأشغال العامة و البنوك، ندرك بجلاء كيف أصبحت بلادنا فريسة لاقتصاد المافيا المنظمة.

(7)      لقد وصل  انعدام الأمن  الذي ادعى محمد ولد عبد العزيز أن رئيس الجمهورية السابق تسبب فيه حدا لم يسبق له مثيل في هذه الأرض المسالمة الآمنة : فتمت مهاجمة الحاميات العسكرية ، وتعرض الأجانب للاعتداء ( تم قتل أمريكي في وضح النهار في لكصر)، و تم اختطاف  أجانب آخرين على أراضينا التي أصبحت معقلا للإرهاب الدولي،  أضف إلى ذلك التوترات الكامنة  على حدودنا مهددة بالانفجار.

وفي الوقت نفسه تبسط عصابات المخدرات هيمنتها بيننا و يبدو أن أموال الكوكايين يتم تبييضها في مسالك اقتصادنا الغير مصنفة :  هناك فيلم وثائقي بثته قناة كانال+ يوم 19 مارس الماضي، يتهم ضابطا ساميا بالضلوع في ملف المخدرات، و إلى الآن ،  لم يصدر أي رد فعل من السلطات على ذلك الاتهام!

(8)       إن الوحدة الوطنية مهددة بسبب إيقاظ النزعات العرقية المتعمد من قبل السلطة نفسها، لإخفاء فشل الحكومة وعدم قدرة محمد ولد عبد العزيز على إيجاد حلول لمشاكل السكان، مثل وضعية اللاجئين الذين يعودون الآن أدراجهم، هاربين من ويلات إهمال السلطات.  فقد حاول النظام وضع مكونات شعبنا  في مواجهة بعضها البعض ، بتأجيج مشاعر الغضب لدى الطلاب الزنوج تارة من خلال الإعلان عن التعريب "الشامل للإدارة" ، وفي صفوف الطلاب العرب تارة بالتشكيك في رسمية اللغة العربية ، مهددا بذلك التماسك الاجتماعي والتفاهم بين مكونات شعبنا.

(9)       أما السيادة الوطنية فيتم التنازل عنها في عملية بحث محمومة عن مانحين لتغطية العجز المالي للدولة، والسماح بتواجد قوات عسكرية أجنبية على أراضينا التي تحولت إلى منطقة احتكاك بين قوى أجنبية تحارب الإرهاب الدولي إضافة إلى توقيع اتفاقيات عسكرية دون التشاور مع الطبقة السياسية.

(10)                         و على الصعيد الدبلوماسي تم إبرام جملة من التحالفات غير المحسوبة في إطار سياسة خارجية عشوائية تمنح عناية فائقة لمعاهدة مع بلد يقع على آلاف الكيلومترات(أزربيجان) أكثر مما تهتم بعلاقاتنا مع دول الجوار كالمغرب و الجزائر و مالي و السنغال، بل و تجتهد في تأزيم تلك العلاقات : المساس بموقف الحياد من نزاع الصحراء الغربية، تأجيج الأزمة مع مالي، سوء التفاهم مع السنغال بشأن نقاط العبور، الخ.

(11)                         وأخيرا، انحط الخطاب السياسي  إلى مستوى  التجريح والقدح و الاهانة، في انتهاك غير مسبوق لقيمنا الثقافية وأعرافنا السياسية.

على ضوء كل  ما سبق ، وبعد فترة طويلة من  دعوة محمد ولد عبد العزيز للحوار كحل وحيد للأزمة متعددة الأبعاد التي تعيشها البلاد ، وأمام الرفض العنيد الذي ووجهت به من طرف النظام،  قررت منسقية المعارضة الديمقراطية، تحمل مسؤولياتها تجاه الشعب الموريتاني كاملة ، والدعوة ، رسميا ، لرحيل هذا النظام  ذي النزعة الاستبدادية و التسيير المدمر.

المنسقية

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here