ارتفاع الأسعار: الأسباب الحقيقية والمقترحات

0
334

28 فبراير 2011

ملخص

بعد أن تجاهلت لفترة طويلة أزمة الأسعار (راجع إعلان السياسة العامة المقدم من طرف الوزير الأول أمام البرلمان في 6 يناير الماضي) وأمام التنبيه المفاجئ الذي مثلته الثورة التونسية، ارتجلت الحكومة مؤخرا –وسط تطبيل إعلامي- ما أسمته عملية « دكاكين التضامن » وتجتهد من أجل تبرير إخفاقاتها في إلقاء المسؤولية في الارتفاع الجنوني الذي تشهده أسعار المواد الأولية في بلادنا، على السوق الدولية حصريا.

ولئن كانت بلادنا تتحكم في الأسعار الدولية فإن الحكومة ليست على صواب عندما تستميت من أجل تجاهل التأثير السلبي للعوامل الداخلية التي تتسبب في ارتفاع الأسعار والتي نذكر من بينها:

1- التركيز الاحتكاري لاستيراد المواد الأولية

وقد كان من نتائج هذا المسلسل الذي تفاقم بشكل ملفت خلال السنتين الأخيرتين، تقليص عدد المستوردين من 15 إلى 5 فقط (لا يتجاوزون في الواقع 3). بل إن أحد هؤلاء الموردين بات قادرا بمفرده على فرض أسعاره على المستهلكين وعلى منافسيه.

إن هذه السيطرة الاحتكارية الخصوصية على حياة الموريتانيين ناتجة ،إلى حد كبير، عن الروابط الخاصة مع السلطة القائمة وما تتيحه من امتيازات وتسهيلات غير قانونية جعلت من مفهوم المنافسة مجرد شعار أجوف.

2- هوامش الربح المرتفعة

يكشف التحليل الدقيق للأسعار أن تلك الهوامش تبلغ 32.9 % على السكر و 49 % على الأرز و 16.5 % على القمح مقارنة بسعر المادة بعد وصولها لمخازن تجار الجملة. وتنضاف الهوامش المذكورة على الرسوم والأعباء المختلفة الخاضعة كلها لإرادة أصحاب القرار.

3- يشكل التلاعب بأسعار المحروقات (رسوم وزيادات متكررة) من أجل تموين خزينة الدولة المنهكة بسبب سوء التسيير، عاملا آخر يتسبب في ارتفاع الأسعار. ومن المعروف أن هذه المادة هي الأكثر تضخما في الاقتصاد.

وقد آثرت الحكومة بدل معالجة تلك العوامل الداخلية اعتماد عملية أسمتها « دكاكين التضامن » (بكلفة بلغت 9 مليارات أوقية خارجا عن ميزانية الدولة ودون موافقة البرلمان) عهد بتنفيذها إلى اثنين من كبار المستوردين .

ولم تأخذ العملية المذكورة في الحسبان سوى 600 ألف فقير من أصل مليون و 380 ألف حسب الإحصائيات الرسمية. بل الأدهى من ذلك أن تصور العملية نفسه يجعل أن دكاكين رئيس الفقراء ليست عمليا في متناول سكان الريف (حيث 77 % من الفقراء) وكذلك الشرائح الأكثر فقرا في المحيط الحضري الذين يتعرضون يوميا لجميع أشكال الاهانات من أجل الحصول على كميات زهيدة.

وهو ما يفسر دون شك عزوف أغلبية السكان عن « دكاكين التضامن » تلك التي لا تعدو في الواقع كونها صخبا دعائيا لا تستفيد منه سوى ثلة قلية من كبار المستوردين والموزعين المحظوظين.

مع ذلك فإن بوسع الحكومة التخفيف من معاناة المواطنين من خلال جملة من الإجراءات الفورية. فمن بين إجراءات أخرى يمكن استبدال « دكاكين التضامن » بنظام توزيعات مجانية دورية لصالح الشرائح الأكثر فقرا أو المعدمة؛ كما يمكن وضع حد لحالة الاحتكار واعتماد نظام التحكم الإداري في أسعار المواد الأولية وإقرار تخفيض عام بنسبة 15 % على الأقل يترك للمستوردين والموزعين هوامش ربح معقولة. كما يتعين استحداث مرصد للأسعار.

I. مدخل

تواجه بلادنا حاليا أزمة اقتصادية غير مسبوقة يطبعها اتساع لدائرة الفقر وذلك بفعل عدة عوامل من بينها:

ـ البطالة التي تشمل أزيد من 30% من القوى الحية؛

ـ تقلص أنشطة القطاع الخصوصي الوطني؛

ـ توجيه موارد الدولة إما نحو مشروعات بنى تحتية مزعومة وغير منسجمة مع أولويات البلد (الفيلة البيضاء)؛

ـ إفلاس بعض المؤسسات العمومية في الوقت الذي يتم فيه إنشاء مؤسسات أخرى ذات مردودية وجدوائية اقتصادية غير مؤكدة؛

ـ تدهور دخل سكان الريف بسبب انخفاض أسعار الأغنام؛

ـ الارتفاع الجنوني لأسعار المواد الأولية؛

بعد أن قللت من شأن الوضع السائد (الوزير الأول تجاهل كليا قضية الأسعار في خطابه أمام الجمعية الوطنية بل اتهم المعارضة بتضخيم الأمور) أعلنت الحكومة بشكل مفاجئ، وهي في حالة ارتباك حيال ثورة الياسمين في تونس، وسط صخب دعائي كبير، عن عملية أسمتها « دكاكين التضامن » هدفها المعلن مساعدة السكان الأكثر فقرا (وقد أوفد اثنان من الوزراء في جولة عبر ولايات الوطن من أجل التطبيل لكذبة كبرى مفادها أنه تم تخفيض الأسعار بنسبة 30%). جرى ذلك في الوقت الذي نشر فيه بعض أنصار النظام دعاية أخرى مفادها أن الثورة في موريتانيا بدأت قبل الغليان الذي تشهده الساحة العربية على يد محمد ولد عبد العزيز.

وعلاوة على الطابع المشبوه لتلك العملية التي تمثلت في صرف أزيد من تسعة (9) مليارات من الأوقية على موارد الخزينة العامة المنهكة أصلا وخارجا عن الميزانية, لم يعرض بهذا الشأن أي مشروع أو مسطرة قانونية لتلك المصروفات خلال الدورة الاستثنائية للبرلمان التي افتتحت بعد ذلك بأيام قليلة.

وسنعرض فيما يلي تحليلا لنظام تموين السوق بالمواد الأولية وقراءة نقدية لعملية دكاكين التضامن بغية كشف طبيعتها الحقيقية قبل اقتراح إجراءات ملموسة من شأنها التخفيف من معاناة المواطنين إزاء الارتفاع المجحف للأسعار.

II. العوامل الداخلية الحاسمة في ارتفاع الأسعار

II-1. قيام احتكارات بالتواطؤ مع الدولة

يتم تموين السوق الوطنية أساسا من طرف عدد من المستوردين في ظل انخفاض المنتوج الوطني من الأرز والقمح والزيت بل انعدامه بالنسبة لمواد أخرى.

ويتولى ثلاثة من المستوردين تموين السوق بحوالي 30% من واردات الأرز والقمح والسكر.

ويبين الجدول التالي حصص أولئك الموردين وتطورها خلال الفترة من 2009 إلى 2010 بالنسبة للمواد الثلاث السالفة الذكر.

|| الجدول »1″: حصص المستوردين الرئيسين الثلاثة ||
| الموردون | الحصص خلال 2009 | الحصص خلال |2010|
|مجموعة أهل غده | 36% | 43% |
|مجموعة أهل عبد لله | (MA0A) 27% | 24% |
|مجموعة أهل انويكظ | 7% | 12% |
|الجميع | 70% | 79% |

يبين هذا الجدول بوضوح أننا أمام مجموعة تتمتع بهيمنة واسعة هي مجموعة أهل غده التي أصبحت تتحكم في 43% من السوق مقابل 36 % فقط للمنافسين الآخرين اللذين كانا أكبر مستوردين في البلد لغاية 2005.

إن مجموعة أهل غده بات بمقدورها اليوم أن تحدد وتفرض أسعار الأرز والقمح والسكر والزيت على كافة المستوردين الآخرين بما فيها المجموعتان المذكورتان في الجدول.

لقد انقلبت الموازين وتسارعت وتيرة التمركز الاحتكاري بصفة صارخة خلال السنتين الأخيرتين.

إن من حقنا إذن أن نتساءل عن تأثير الروابط الخاصة مع السلطة الحالية في هذا التحول السريع.

بفعل الصلات والتفاهمات التي أقاموها مع الأنظمة السياسية المتعاقبة وما استفادوه من تسهيلات وامتيازات جراء ذلك (إلغاء الرسوم الجمركية، تحويل العملات الصعبة بنسب مغرية، إعطاء الأولوية لبواخرهم في الميناء) تمكن المستوردون المقربون من السلطة من قلب الموازين وإقصاء الآخرين من السوق أو تحويلهم إلى موزعين. وهكذا تقلص عدد مستوردي مواد القمح والسكر والأرز من 15 إلى أقل من 5 خلال عشر سنوات.

إن احتكار مجموعة محدودة للسوق بهذا الشكل يفتح المجال لكل التجاوزات:(تفاهمات غير مشروعة على الأسعار، التحكم في شبكات التوزيع، افتعال أزمات وهمية في المواد، تصريحات مزيفة على البضاعة، ابتزاز المستهلك… إلخ).

إضافة إلى كون المستوردين والمستلمين نجد أغلبهم يعملون في نفس الوقت كأصحاب مؤسسات إيداع وعبور وناقلين لبضائعهم. فأمام تصريحاتهم المتناقضة بشأن نفس البضاعة لدى مختلف الشبابيك ( الجمارك, البنك المركزي الموريتاني …) فإن السلطات العمومية تميل إلى غض الطرف و المجازفة بمداخيل معتبرة للخزانة العامة دون أن يكون لذلك انعكاس إيجابي على الأسعار. ومن ثم فإن الباب مفتوح لجميع أشكال التحايل.

من هنا يختفي تنظيم السوق من خلال المنافسة الحرة طبقا لمفهوم  » اليد الخفية المنظمة للسوق » التي تقوم عليها النظرية الليبرالية. وهكذا تفرض أسعار احتكارية دون مراعاة مبدأ التفاعل الحر بين العرض والطلب.

ومع ذلك ففي الولايات المتحدة الأمريكية، معقل الليبرالية بامتياز، تم سن قوانين مناهضة للاحتكارات من أجل مكافحة استحواذ مجموعة ضيقة تفرض إرادتها على المجتمع بكامله.

أما في بلادنا فإننا نعتمد سياسة النعامة بإطلاق العنان للاحتكارات الخصوصية.

فهل كان ذلك ردا للجميل وتعويضا لتمويل عريضة حجب الثقة المشهورة والتي كانت حاسمة في الإطاحة بحكومة الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله سنة 2008, أو تعويضا للمساهمات السخية في تمويل الحملة الرئاسية لعام 2009؛

كما يحق لنا أن نتساءل عن من هو المستفيد من دفن شركة سونمكس التي كانت الأداة الوحيدة لتدخل الدولة في السوق والتي كانت السلطات العمومية تعهد إليها بمهمة صعبة وحيوية تتمثل في تثبيت الأسعار وكسر الاحتكارات الخصوصية.

ولا أدل على التدمير المتعمد لشركة سونمكس من كونها لم تستقبل أي باخرة منذ انقلاب 2008 مع أن الشركة نجحت إلى حد كبير في الاضطلاع بمهمتها وفي تثبيت الأسعار من خلال سيطرتها على 10% من السوق خلال سنتي 2007 و2008 عندما كانت تستقبل بواخر بشكل منتظم.

إن التخلي عن هذه الشركة وما آلت إليه اليوم رغم نجاحها في مهمتها الحيوية لا يمكن أن يكون وليد الصدفة.

II-2. ارتفاع الأسعار، هوامش الربح المرتفعة والتضخم:

في محاولاتها لتبرير ارتفاع الأسعار تتذرع الحكومة دائما بالعوامل الدولية خصوصا « الاختلال الهيكلي بين العرض والطلب في السوق الدولية من جهة وبالظواهر الطبيعية مثل الحرائق في روسيا والفيضانات في استراليا من جهة أخرى ».

وإذا كان من المسلم به أن الأسعار الدولية لبعض المواد الأولية تشهد في الوقت الحالي ارتفاعا مثيرا للقلق فإن من غير المقبول التغاضي عن كون السعر المطبق في السوق المحلية يشمل إلى جانب سعر الاستيراد الذي لا نتحكم فيه, مكونة وطنية تضم الأعباء والأرباح المختلفة التي يتحكم فيها دون شك أصحاب القرار في البلاد.

إن التحليل الموضوعي يبين بجلاء أن ما تشهده الأسواق الوطنية من ارتفاع للأسعار نتيجة للتفاعل ما بين العوامل الداخلية والخارجية. بيد أن السبب الرئيسي لهذا الارتفاع على الصعيد الداخلي يكمن في خضوع سوق المواد الأولية لسيطرة الاحتكارات بل أحدها بالتحديد بمباركة إن لم يكن بتواطؤ من السلطات العمومية. وتكمن المشكلة في هذا الصدد بالأساس في هوامش الربح المجحفة التي تحققها الاحتكارات على حساب المستهلك.

ويبين الجدول »2″ التالي المستوى المرتفع بل والمكشوف لهوامش الربح التي يستفيد منها التجار في حين يوضح الجدول »3″ الأعباء الإضافية المباشرة الناجمة عن تسيير الميناء. أما الجدول »4″ والجدول »5″ فيوضحان أن ارتفاع الأسعار لا يمكن إرجاعه للتضخم.

|| الجدول « 2 »: الهوامش ||
| – |سعر شراء الطن |سعر بيع الطن لصغار التجار |هامش المستورد |هامش المستورد بالنسبة المئوية |سعر بيع الطن للمستهلكين |هامش ربح التجار الصغار |هامش ربح التجار الصغار بالنسبة المئوية |مجموع الهوامش |
|السكر | 225.950 | 248.000 | 22.050 | 9.75% | 300.000 | 52.000| 20.96% | 74.050 |
|الأرز | 147.650 | 175.000 | 27.350 | 18.5% | |220.000 |45.000 25.7% | |72.350
|القمح 120.081 | 130.000 | 9.919 | 8.3% | |140.000 |10.000 7.69% | 19.919|
تعتبر الهوامش مرتفعة جدا سواء على مستوى التجار الكبار أو الصغار، إذ يقع كل ذلك على كاهل المستهلك: 74 أوقية على كلغ السكر مقارنة مع سعر وصوله إلى مخازن التاجر بالجملة, و72.35 أوقية على كلغ الأرز و19.9% على كلغ القمح وهو ما يمثل فروقا بنسبة 32.9% لمادة السكر و49% لمادة الأرز، و16.5% لمادة القمح تضاف على السعر النهائي بعد وصول المادة إلى المخازن.

من جهة أخرى فإن تفحص الأعباء التي تنضاف على سعر المادة عند وصولها الميناء لغاية وصول السعر النهائي الذي يدفعه المستورد يبين (الجدول 3) أن تلك الأعباء مرتفعة جدا ويمكن تقليصها. ويتعلق الأمر بتكاليف الإيداع وحقوق الميناء والجمارك ومكتب اليد العاملة والنقل نحو المدينة. كما أن بإمكان الدولة أن تتدخل للإسهام في تخفيض تلك التكاليف سبيلا إلى تخفيض الأسعار.

|| الجدول »3″: الأعباء المضافة لسعر المادة عند وصولها للميناء ||
| – |السكر |القمح |الأرز المكسر |
| السعر عند الوصول للميناء بالدولار الأمريكي | 800$ | 300€ | 500$ |
| السعر عند الوصول للميناء بالأوقية | 220.000 | |114.600 |13.700
| الجمارك | 1.500 | |2.021 |7.500
| حقوق الميناء | 1.000 | 410 | 1.000 |
| الإيداع | |1.300 1.000 | |1.000
| مكتب الشغيلة | 1.000 | |1.000 1.000 |
| النقل من الميناء نحو المدينة | 800 | 800 | 800 |
| التفريغ في المخازن | 350 | 350 | |350|
| مجموع أعباء الجمارك والإيداع والنقل | 5.950 | |5.581 |11.650|
| السعر بعد الوصول إلى المخازن | 225.950 | |120.081 |175.450|

رغم أن النسب الرسمية للتعريفة الجمركية بلغت على التوالي 32.8% بالنسبة للسكر و3.5% بالنسبة للقمح، و8.6% بالنسبة للأرز، فإن السلطات العمومية تلجأ مع ذلك لنظام جزافي في مجال الجباية كما يبين ذلك الجدول الموالي. ويهدف هذا الانتهاك الصارخ لقانون المالية، كما هو معلن، لتجنيب المستهلك غلاءا أكبر للأسعار كان سيواجهه لو تم تطبيق صارم للنسب الرسمية. إن هذا الهدف النبيل والاعتناء بالشرائح المحرومة يفتح في الواقع المجال واسعا أمام الضبابية ويخدم بالأساس المقربين من النظام. وقد بات من المعروف اليوم في ميناء انواكشوط أن النظام الجزافي يطبق لصالح زبناء معروفين. الأمر الذي يساهم إلى حد كبير في المركزة الاحتكارية للاستيراد المبينة أعلاه.

|| الجدول »4″: تقلبات الأسعار من 2008 لغاية اليوم ||
| – | سعر بيع الطن للمستهلكين حاليا | سعر بيع الطن للمستهلكين سنة 2008 | الفوارق| بين 2008 والوقت الحالي | الفوارق بين 2008 والوقت الحالي بالنسبة المئوية |
| السكر | 300.000 | 130.000 | 170.000 | 130% |
| الأرز | 220.000 | 120.000 |100.000 83% |
| القمح |140.000 50.000 |90.000 180% |

|| الجدول »5″: التضخم ||
| – 2008 | 2009 | 2010 |
| التضخم | 7.3% | 2.2% | 6.1% |

لا يمكن إرجاع تقلبات أسعار هذه المواد للتضخم فكما يبين الجدول »5″أعلاه فإن إجمالي التضخم خلال الفترة من 2008 إلى 2010 يقدر بـ 15.6% وهو أقل بكثير من تقلبات الأسعار خلال نفس الفترة حيث لدينا ارتفاعات بنسب كبيرة: 130% للسكر و83% للأرز و180% للقمح (الجدول.

-II 3. زيادات متكررة لسعر المحروقات

علاوة على الهوامش التي تفرضها الاحتكارات نجد كذلك الزيادات المستمرة والمعتبرة التي تقررها الحكومة على أسعار المحروقات، وقد بلغ مجموع تلك الزيادات لسنة 2010 حوالي 20% وإذا علمنا أن مادة المحروقات هي التي يؤثر تضخمها بشكل أوسع على الاقتصاد برمته، يتضح لنا كيف أن اعتماد تلك الزيادة هو الطريق المضمون لارتفاع الأسعار. خصوصا أن بنية سعر هذه المادة تشتمل على العديد من الرسوم التي تدفع لخزينة الدولة من أجل تعويض العجز الناجم عن سوء التسيير. ثم إن السلطات العمومية لا تعير أي اهتمام لمراقبة هذا البعد الحساس من إشكالية ارتفاع الأسعار.

والأغرب في الأمر أن تلك الزيادات في سعر المحروقات تزامنت مع تصريحات مدير المحروقات التي ادعى فيها أنه تمكن من تخفيض سعر تموين البواخر والكزوال من 22 إلى 15 دولار أمريكي وبأزيد من 5 ملايين دولار من أصل 700.000 طن تستهلك سنويا. فإذا كان ذلك صحيحا فلماذا لم تخصم تلك المبالغ مباشرة من بنية سعر المحروقات؟

III. نقد نظام « دكاكين التضامن »

إن مبدأ تخفيض أسعار المواد الأولية لصالح السكان الأكثر فقرا هو في حد ذاته إجراء نبيل، إلا أن نظام دكاكين التضامن الذي تم اعتماده بدل الاستجابة لضرورة احتواء ارتفاع الأسعار جاء في الواقع كذريعة لمنح هدايا للاحتكارات دون تقديم مساعدة للفقراء, استغلالا لحالة الاستعجال القائمة.

III-1. تعزيز هيمنة الاحتكارات

إن الدولة إذ تضع أموال دافعي الضرائب في قبضة المستوردين الخصوصيين تحت مظلة عملية تضامن (دون مناقصة ولا حتى استشارة ضيقة) في إطار صفقة بالتراضي ممنوحة لمستوردين اثنين إنما تقوم بإحكام قبضة تلك الاحتكارات على السوق.

كما أن اتخاذ اتحادية التجارة كواجهة, خدعة مكشوفة لا تنطلي على أحد، ذلك أن المخزونات التي أخذت منها المواد ملك لاحتكاريين معروفين.

ثم إن المواد الموزعة على دكاكين التضامن تم اقتناؤها من الاحتكارات بسعر أرفع من سعرها بالجملة في السوق بدل خصم هوامش الربح المرتفعة أصلا، يضاف إلى ذلك الربح السهل الذي يتحمله المستهلك و أعباء أخرى كالنقل (2.000 أوقية للطن) وتكاليف تسيير الدكان (15.000 أوقية للطن).

كما أن عدم تعميم إجراء تخفيض الأسعار يجعل نفس المواد تباع في السوق بأسعار مختلفة ومن ثم تتوفر فرصة تحكيم لبعض التجار مما يخولهم تحقيق أرباح دون إنفاق أوقية واحدة من خلال بيع جزء من مواد عملية التضامن بسعر السوق.

III-2. منح موارد عمومية بشكل غير شرعي لاحتكارات خصوصية بعيدا عن أي رقابة

إن أموال دافعي الضرائب تمنح لتجمع احتكاري خصوصي يعهد إليه بتموين نقاط بيع يحددها تجار متوسطون يتم اختيارهم من طرف نفس التجمع، وإن ذلك لا يعدو كونه اختلاسا للمال العام.

من جهة أخرى فإن آلية الرقابة شكلية إذ تبقى العملية برمتها متروكة لتقدير الفاعلين المستفيدين الذين يتولون التموين والتوزيع على نقاط بيع يختارونها بأنفسهم (على الأقل بالنسبة للمائتين والخمسين دكانا المفتوحة في انواكشوط).

III-3. أغلب الفقراء منسيون

تستهدف العملية التي وضعتها الحكومة، بحسب من تصوروها، مجموعة تشمل 120.000 أسرة بمعدل 5 أفراد لكل أسرة أي ما مجموعه 600.000 شخص فقط في حين يقدر الإطار الاستراتيجي لمكافحة الفقر 2011ـ2015 الذي صادقت عليه الحكومة مؤخرا عدد الفقراء في موريتانيا بـ 1.382.200 شخصا في سنة 2008 موضحا أن ذلك العدد في ارتفاع مضطرد.

وتشير الوثيقة إلى أنه في سنة 2008 « تعيش نسبة 42% من السكان في موريتانيا تحت خط الفقر بينما تعيش نسبة 25.9% في الفقر المدقع ».

ويتبين من ذلك أن خبراء الحكومة تعمدوا إهمال نسبة 60% من شريحة الفقراء.

الثغرة الأخرى في هذه العملية، التي كانت موضع ضجة ودعاية صاخبة من خلال وسائل الإعلام الرسمية، تكمن في التوزيع الجغرافي المعتمد. ذلك أنه علاوة على كون عدد الدكاكين المفتوحة قليل جدا (600 دكان على عموم التراب الوطني) فإن توزيعها الجغرافي لا يميز بين الكثافة السكانية وجيوب الفقر تاركا الانطباع بأن الفقر ظاهرة حضرية بالأساس.

فجاء عدد الدكاكين المفتوحة في العاصمة انواكشوط (250) مساويا لعددها في 8 ولايات هي: الحوض الشرقي، تكانت، لبراكنه، كوركول، كيدي ماغة، لعصابة، اترارزة واينشيري (مجموع 249 دكانا).

ومع ذلك فإن الإطار الاستراتيجي لمكافحة الفقر المذكور أعلاه يوضح أن الفقر يبقى ظاهرة ريفية بالأساس حيث يشمل نسبة 59.4% من سكان الريف مقابل 20.8% من سكان الوسط الحضري كما أن المناطق الريفية تؤوي ثلاثة أرباع الفقراء في البلد (77.7%).

ضف إلى كل ذلك غياب الرقابة والشفافية حيث يستحيل التأكد من استفادة الشرائح المستهدفة رسميا بهذه العملية.

III.4. التأثير الضئيل لهذه العملية

في الوسط الحضري يتطلب اقتناء الكميات الزهيدة التي يبيعها دكان التضامن الوقوف في طابور بين 3 إلى 4 ساعات. علما أن كل دكان من دكاكين التضامن مكلف بتموين 200 أسرة بمعدل 5 دقائق لكل زبون وعليه فإن الاستجابة لجميع المستهدفين في اليوم سيتطلب 1.000 دقيقة أي ما يزيد على 16 ساعة في اليوم.

وفي بعض الأحياء يتطلب الوصول إلى دكان التضامن استخدام سيارة أجرة إلا أن الأجرة عندما تضاف لسعر لتر من الزيت وكيلوغرام من السكر و2 كلغ من الأرز، وهي الكمية المسموح بها، يصبح من الأفضل للمواطن المسكين تجاهل « دكاكين رئيس الفقراء » واقتناء حاجاته من الدكاكين العادية. فلماذا يفرض كل هذا العناء على المواطنين المنهكين أصلا من أجل الحصول على تلك الكميات الزهيدة ؟ ولماذا تعريضهم للإهانة اليومية في الطوابير المرهقة من أجل الحصول على الكميات التي تعطى للسائل عادة ؟

أما في الوسط الريفي فإن الوضع أسوأ بكثير حيث أن الوصول إلى دكان التضامن قد يستغرق يوما كاملا. فالفقراء في الوسط الريفي شأنهم شأن غيرهم من سكان الريف لا يمكنهم التكيف مع نظام التسوق اليومي الذي هو من عادات الوسط الحضري.

من أجل هذه العملية غير الناجعة وغير الشرعية وعديمة التأثير انتقل اثنان من الوزراء وجابوا مناطق البلاد على حساب دافعي الضرائب كي يشرحوا للسكان أن 600 « دكان تضامن » قد فتحت للتخفيف من معاناة 600.000 فقير من خلال تخفيض الأسعار بنسبة 30% متجاهلين مصير 800.000 فقيرا آخرين.

إن أقل ما يقال هو أن في الأمر استهتار مهين بعقول الموريتانيين. ولا أدل على ذلك من عزوف أغلب السكان عن « دكاكين رئيس الفقراء » كما هو ملاحظ في عدد كبير من المدن والأرياف, وهو ما يجسد الفشل الذريع لتلك المحاولة المكشوفة للتلاعب بعقول الناس.

IV. اقتراحات إجراءات فورية

1- تحويل « دكاكين التضامن » إلى عملية توزيع مجاني لصالح جيوب الفقر المدقع: على أن يعهد بتنفيذها لكل من مفوضية الأمن الغذائي والهلال الأحمر الموريتاني بمشاركة المجالس البلدية.

2- تخفيض فوري وعام لأسعار المواد الأولية: الأرز, السكر,القمح, الزيت واللبن.

نظرا لحجم هوامش الربح ( مقارنة بسعر المواد بعد وصولها لمخازن المستورد) وللأعباء الأخرى التي تفرضها الدولة فإن من الضروري والممكن إقرار تخفيض عام لأسعار المواد المذكورة بنسبة15% على الأقل لصالح الأغلبية الساحقة التي تئن تحت وطأة الفقر مع تمكين المستوردين والموزعين من تحقيق هوامش ربح معقولة.

3- منع الاحتكار:

إن محاربة تركيز نشاط الاستيراد في أيدي مجموعة محدودة من المستوردين تمر حتما بالعودة لقواعد الشفافية المألوفة والعادلة في توزيع العملات الصعبة وتسديد الرسوم الجمركية وضرائب إرساء البواخر في الميناء وإنجاز إجراءاتها بحسب وصولها إلى الميناء دون تمييز. كما تمر بوضع حد لتلك الظاهرة المشينة المتمثلة في ممارسة خدمة عمومية على أساس نفوذ أو صلات المستورد بالأوساط المقربة من السلطة.

في نفس الإطار يتعين كذلك حظر سيطرة مستورد واحد على أزيد من 20% من الواردات من مادة أولية. وإذا كانت الدولة جادة في سعيها لمنع الاحتكارات فإن عليها أن تشجع قيام قطب من المستوردين المتوسطين مع منحهم وسائل وتسهيلات بغية خلق قنوات توزيع منافسة.

وفي حال تعذر ذلك الهدف فيتعين إحياء شركة سونمكس ومدها بالوسائل الضرورية لإنجاز مهمتها من خلال تموين السوق بنسبة 10 إلى 15 % من المواد الأولية المستوردة سبيلا للإسهام في تخفيض وضبط الأسعار.

4- استحداث مرصد للأسعار:

يكمن النقص الرئيسي في النظام الحالي في غياب أداة لدى السلطات العمومية تمكنها من مركزة المعطيات المتعلقة بشبكة الاستيراد خصوصا استيراد المواد الأولية.

إن هنالك بالفعل إدارة للمنافسة بوزارة التجارة إلا أن تلك الإدارة غير ذات فاعلية نتيجة غياب الموارد البشرية والوسائل المادية.

ومع ذلك فإن المهمة المنوطة بتلك الأداة تبقى أساسية وقد تتجسد على ثلاث مستويات هي:

أ‌- متابعة مستوى المخزونات الوطنية مقارنة بالاحتياجات وذلك في سبيل:
ب‌-
• توقع أزمات محتملة في بعض المواد خصوصا في فترات خاصة كالكوارث الطبيعية على الصعيد الوطني أو الدولي وشهر رمضان وفترة الصيف!

• تشخيص فترات وحجم الإنتاج الوطني بغية تقدير العجز الموسمي من الحبوب (3 أشهر) على مدار السنة بشكل دقيق من أجل تفادي أن تعيق الواردات تسويق الإنتاج الوطني أو على العكس أن لا تتوفر في فترة الصيف (ما بين الحصادين) كميات مناسبة من المواد المستوردة.

• متابعة أسعار المواد الأولية في السوق الدولية بغية مد أصحاب القرار الخصوصيين والعموميين بالمعطيات الموضوعية التي تمكن من إعادة تكوين المخزون الاحتياطي بأقل كلفة.

• تحديد حجم المساعدة الإستعجالية التي تحتاجها البلاد بشكل سنوي وعلمي وفي أجل مناسب يمنح المانحين الوقت الكافي للتدخل بفاعلية.

ب- تحديد بنية سعر كل مادة مستوردة وذلك بهدف:

• تشخيص العناصر الموضوعية في تلك البنية (سعر الشراء، الشحن، التأمين، الإيداع) بغية اقتراح الحلول الكفيلة بتقليصها.

فعلى سبيل المثال من شأن تأطير المستوردين الوطنيين من خلال تجميع للاحتياجات أن يسهم في تخفيض تكاليف الشراء والشحن.

• كما أن بوسع محاكم تجارية أكثر عدالة وأقل ارتشاءا ومزودة بالوسائل الضرورية أن تساهم في تقليص تكاليف التأمين.

• تشخيص العناصر الذاتية في بنية الأسعار أي هوامش الربح المجحفة التي يحققها المستوردون والتجار المتوسطون مع اقتراح حلول بديلة.

5- اعتماد نظام التحكم الإداري في الأسعار بغية منع هوامش الربح المجحفة بالمستهلك:

ومن أجل مواجهة تجاوزات الاحتكارات إضافة للاقتراحات المذكورة أعلاه فإنه علينا أن نستلهم من تجارب جيراننا في هذا المجال وخاصة السنغال فقد قرر جارنا الجنوبي مؤخرا العودة إلى نظام تحرير الأسعار وتطبيق نظام التحكم الإداري « ويمتاز النظام المذكور حسب تصريحات وزير التجارة السنغالي آمدو أنينك بكونه يمكننا من متابعة تطور الأسعار الدولية كما يخولنا متابعة هوامش المصنعين والموزعين وصغار الباعة ».

إن إنجاز هذا المشروع الذي هو أكثر طموحا بكثير مما اعتمدناه نحن شمل ست مواد أولية هي السكر والأرز والصابون والطماطم والزيت واللبن.

كما أن السلطات السنغالية تتوفر على أداة فعالة نفتقر لمثلها في بلادنا هي المجلس الوطني للاستهلاك.

وقد نتج عن تلك العملية انخفاض عام للأسعار بنسبة 15%.

6- دعم إنتاج المزارعين الوطنيين:

من أجل الحد من تبعيتنا للخارج في مجال التموين بالمواد الزراعية الأولية يتعين دعم إنتاج المزارعين الوطنيين على حساب المستوردين لنفس المواد.

7- دمقرطة إعداد بنية أسعار المحروقات: على أن يعهد بها للجنة وطنية موسعة لجمعيات المستهلكين وللفاعلين المتدخلين مع تأمين رقابة برلمانية منتظمة بغية ضمان الشفافية والفاعلية. ذلك أنه من أكبر الفضائح أن يكون تسيير متغير اقتصادي بهذه الدرجة من الحساسية والتأثر بالتضخم كسعر المحروقات، مقترحا من طرف شخص واحد (مدير المحروقات) ويحدد بشكل تعسفي من طرف وزير بحسب الاحتياجات الآتية لحكومة معينة مهما كانت الشرعية التي تتمتع بها.

8- إحياء وتفعيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي: بوصفه إطارا وطنيا لمناقشة وتصديق السياسات والإجراءات المعتمدة من أجل مواجهة القضايا الاجتماعية المطروحة.

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here