هيمنــة الفســــاد

0
281

تــلخيص

سينشر اتحاد قوى التقدم خلال عطلة الأسبوع مذكرة اقتصادية بعنوان « هيمنة الفساد » تتناول تسيير النظام الحاكم للشركات العمومية الكبرى وتذكر الوثيقة الثرية بميل حكومة ولد عبد العزيز إلى تجاهل الإجراءات القانونية في مجال النفقات العمومية وهو ما تفسره بالطبيعة الانقلابية لهذا النظام.

وتبرر المذكرة تلك الإتهاما ت بعدة أمثلة منها : مصير مبلغ 50 مليون دولار الذي منحته المملكة العربية السعودية وتم صرفه دون أن يعرض على البرلمان ومصير مبلغ 9 مليارات أوقية الذي تم تعبئته في إطار عملية « التضامن » الأخيرة دون أن تتم برمجته بموجب مرسوم.

وبخصوص تسيير الشركات العمومية توضح المعلومات أن ثلاثة منها (صوملك، الشركة الوطنية للمياه وصوماغاز) تقبع تحت ديون المصارف الخصوصية (55 مليار أوقية) الممنوحة في شكل كشوف مصرفية مع فوائد تبلغ نسبة 25 % . وهذه الوضعية لا تخدم في الواقع سوى 4 أو 5 من رجال الأعمال وأصحاب المصارف الموريتانيين الذين يتلقون عشرة أضعاف ميزانية الدولة المخصصة للمشاريع ذات الأولوية في مجال مكافحة الفقر التي تستهدف 1 400 000 مواطن يعيشون في الفقر المدقع، كل ذلك طبعا على حساب دافع الضرائب.

وبحسب الدراسة الممولة من طرف الوكالة الفرنسية للتنمية فإن وضعية شركة صوملك تعتبر كارثية ومن ثم أبلغ تجسيد لسياسة الديماغوجية والفساد المنتهجة حيث تبلغ التكلفة المالية للشركة المذكورة خلال سنة 2010 <<15 % من رقم الأعمال أي أكثر من أجور العمال التي لا تتجاوز 12 % مما يجعل الشركة على حافة الإفلاس>>.

ولا تكتفي السلطة الحاكمة بسوء تسيير الشركات القائمة بل تستمر في إنشاء شركات جديدة تمتص كلها موارد مالية هائلة. والمثال على ذلك إنشاء شركتين جديدتين هما: موريتانيا للطيران وشركة النقل الحضري مما يجعلنا نتساءل عن السر وراء إصرار السلطات الحالية على إنشاء شركات عمومية جديدة. السبب ربما يكون في إرادة السلطة في تصفية الحسابات مع بعض الخصوصيين المشكوك في ولائهم السياسي أو يتمثل <<ببساطة في الاستحواذ على كافة موارد الدولة من خلال شركات عمومية مفلسة وغير مجدية إلا أنها تمكن من امتصاص الموارد الشحيحة للخزينة العامة>>.

ومن أجل رفع اللبس والغموض نقترح إنشاء لجان برلمانية تحت إشراف الشخصيات التالية:

– رئيس مجلس الشيوخ

– رئيس الجمعية الوطنية

– الوزير الأول

– زعيم المعارضة

ويعهد إلى اللجان المذكورة بمايلي:

اللجنة 1 : جرد لالتزامات الشركات العمومية وتوضيح ملابسات منح الصفقات العمومية

اللجنة 2 : مراجعة حسابات الخزينة العامة وتحديد مستوى تنفيذ ميزانية الدولة بالمداخيل والمصروفات خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

اللجنة 3 : تحديد وضعية شاملة لالتزامات الدولة الخارجة عن الميزانية.

-Iتمـهيـد

يعتبر التسيير المحكم للمؤسسات العمومية شرطا لاغنى عنه لصحة تلك المؤسسات الضرورية لتزويد المواطنين بالسلع والخدمات خصوصا الشرائح الأكثر فقرا.

لكنه بدل التركيز على تلك المهمة الحيوية تمادت السلطة الحاكمة في تسييرها الكارثي وغير المسئول فيما أغرق أكبر المؤسسات العمومية على الصعيد الاجتماعي (صوملك، الشركة الوطنية للمياه وصوماغاز…) في أوضاع مالية مأساوية ستؤدي لا محالة إلى إفلاسها، إذا لم يوضع لها حد ومن ثم إلى حرمان المواطن من خدماتها ومنتجاتها الأساسية.

فبدل العمل على صيانة المؤسسات المذكورة أعلاه وعلى تصور وتنفيذ سياسات ناجعة لتموين المواطنين بالمواد والخدمات الأساسية وجعلها في متناول الجميع، عكفت السلطة على إنشاء مؤسسات جديدة دون إنجاز الدراسات الضرورية ووسط تطبيل إعلامي وديماغوجي ينوه بإرادة مزعومة لخلق مؤسسات ستكون في خدمة الشرائح الأكثر فقرا. ذلك في وقت تم فيه التخلي عن شركة سونمكس مما أفسح المجال أمام الاحتكارات الخاصة التي أصبحت تهيمن بشكل مطلق على سوق المواد الأولية بما كان لتلك الوضعية من انعكاسات على الارتفاع الجنوني للأسعار.

ويصاحب هذه العملية الواسعة تصرف كارثي في المال العام يستمر منذ حوالي ثلاث سنوات، وهو أشبه ما يكون للتصرف ملك في مملكته.

ويحاول هذا العرض رفع الستار قدر الإمكان عن هذه الوضعية وينبه على ما يترتب عليها من مخاطر ثم يقترح مقاربة كفيلة بوضع حد لها.

I. التسيير الإستبدادي للمال العام : إن ميل السلطة الحاكمة إلى عدم احترام الشرعية ظل معروفا لدى الجميع (وهو أمر طبيعي بالنسبة لنظام أغتصب السلطة عن طريق انقلاب عسكري).

كما كان من المتوقع أن لا يتقيد هذا النظام بالصرامة في احترام إجراءات النفقات العمومية بحكم جذوره وثقافته الانقلابية بل إن مؤشرات عديدة ظلت تؤكد أن الشرعية الوحيدة التي يراعيها هذا النظام هي رغبة وإرادة قائده الأعلى . نذكر في هذا الصدد ببعض الأمثلة الحديثة:

– مبلغ 50 مليون دولار الذي منحته المملكة العربية السعودية والمخصص لتعزيز أجهزة الأمن والذي لم نقف على مصيره بل لم يعرض صرفه على البرلمان. ورغم ذلك فقد أعترف رئيس الجمهورية خلال اجتماع عمومي بأنه استخدم جزءا منه. الأمر الذي بعد مخالفة اقتصادية خطيرة تستوجب المتابعة القضائية.

– مرسوم تقديم نفقة لعملية التضامن الأخيرة (9 مليار أوقية) الذي تم توقيعه بعد تنفيذ المحور المتعلق بتثبيت الأسعار بشهرين. وهو ما يسمى بوضع الحصان قبل العربة وكان يبدو أنه من المفترض أن تمول العملية جزئيا من مداخيل بيع موقع ما كان يعرف ب « ابلوكات  » الذي تحول في النهاية إلى ذريعة للاستحواذ على موارد ضخمة من أهم المؤسسات المالية في البلد (البنك المركزي الموريتاني وشركة اسنيم) في انتظار ما تجود به بعثة صندوق النقد الدولي المرتقبة.

– صرف مليارات من الأوقية من الموارد العمومية من أجل تمويل إنشاء تجمعين جديدين (ترمس و انبيكت لحواش) دون أن تعرض الميزانيات ذات الصلة على البرلمان.

– المركزة المفرطة للقرار المالي في يدي رئيس الدولة، مما يسمح له يوميا وبلا حرج من أن ينتهك قانون المالية ومسطرات والنظم المعمول بها. حتى أصبحت الأموال تسير وكأنها ملك شخصي لسيد البلاد.

كان من المتوقع أن يؤدي هذا التسيير الكارثي باقتصادنا الوطني إلى وضع مأساوي. وكما أكد ذلك فريق صندوق النقد الدولي في تقريره عن المراجعة الأولى للاتفاق الثلاثي في إطار التسيير الموسع للقرض (والذي زار موريتانيا في الفترة من 15 إلى 26 سبتمبر 2010) : « فإن الاقتصاد الوطني ظل قائما بالأساس على القطاع المنجمي الذي مثل، خلال السنة المنصرمة، 75 % من صادرات البلاد لكنه لم يوفر سوى 3 % من فرص العمل. وإن حوالي 50 % من الموريتانيين يعيشون تحت خط الفقر في حين تبقى نسبة كبيرة من السكان عرضة للعجز الغذائي ».

II. إفلاس المؤسسات العمومية ومخاطر تهدد النظام المالي والمصرفي

كل المعلومات المذكورة أعلاه كانت معروفة أو متوقعة. ولكن ما لم نكن نعرفه هو أننا بصدد كارثة أخطر تتجاوز في أبعادها إثقال كاهل المواطن العادي بالديون. إنه تسونا مي مدمر يقع محوره في قلب المؤسسات العمومية الكبرى.

إن الأمر في منتهى الخطورة إذ لا يتعلق بمبلغ 90 مليار من الأوقية الذي اقترضته الدولة بلا تروي في شكل سندات خزينة ولا بمستحقات الممونين على الدولة التي تقارب 40 مليار أوقية تراكمت خلال السنوات الثلاثة الأخيرة (أي ضعف مبلغ 22مليار أوقية الذي كانت الدولة مطالبة به بعد 20 سنه من نظام ولد الطائع). القضية هنا أكثر خطورة وأكثر تعقيدا من الناحية القانونية لأنها تتعلق بديون المؤسسات العمومية لدى المصارف الخصوصية المحلية. وبالتالي تعني أسلوب تسيير حيوي للثروة الوطنية.

إننا لسنا هنا بصدد الاعتراض على ضرورة أن توفر الدولة على مؤسسات عمومية خصوصا في القطاعات الاجتماعية حيث لا تقاس النتائج بالرصيد المحاسبي فحسب بل كذلك من خلال جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والوضعية الاقتصادية للمؤسسة التي تؤكد جدوائيتها ومن ثم قدرتها على الاضطلاع بمهمتها في المستقبل.

لقد بات من المسلمات أن ثلاث شركات عمومية وطنية تصل مديونيتها الاجمالية 55 مليار أوقية (صوملك 35 مليار، والشركة الوطنية للمياه 12 مليار أوقية، وصوما غاز 8 مليارات أوقية) وهو ما يعادل نسبة كشف مصرفي فعلية معدلها 25 % أي أعباء مصرفية سنوية قدرها 13 مليار و750 مليون أوقية ( وهو ضعف ميزانية الصحة و2,5 ضعف ميزانية قطاع التنمية الريفية أو 7أضعاف ميزانية قطاع الشؤون الاجتماعية والطفولة والأسرة).

وأمام هذه الوضعية فإنه يحق لأي مراقب لديه ذرة من حس وطني أن يتساءل:

* هل من الممكن تصور تسديد ديون المؤسسات العمومية؟

لنكن متفائلين وننطلق من فرضية جدولة الديون على فترة 5 سنوات دون مراعاة الاحتياجات المتجددة لتمويل تلك المؤسسات التي تعاني عجزا هيكليا في ميزانياتها. عندها سيتعين على المؤسسات المعنية دفع مبلغ سنوي قدره 19 مليار و368 مليون أوقية للبنوك. بعبارة أخرى فإن 4 أو 5 رجال أعمال وأصحاب مصارف موريتانيين سيتلقون ما يعادل 10 أضعاف الميزانية المخصصة لمشاريع مكافحة الفقر ذات الأولوية التي تستهدف 1400 000 موريتاني ممن يعيشون في الفقر المدقع كل ذلك دون أي عناء وعلى حساب دافعي الضرائب.

* هل بإمكان الدولة والحالة هذه، أن تتجنب الإفلاس المالي؟

إن إفلاس المؤسسات العمومية المعنية ينذر بتدهور النظام المصرفي برمته إذ أن عدم تسديد تلك الديون سيؤدي تلقائيا إلى إفلاس النظام المصرفي ومن ثم إلى ضياع أملاك المدخرين وما ينجر عن ذلك من خراب في مختلف القطاعات الاقتصادية.

وبطبيعة الحال فإن جهاز الدولة الذي أصبح هشا نتيجة التفكك الإداري لن يصمد أمام ذلك التدهور ولن تتمكن أية قوة حينئذ، من حفظ التماسك الاجتماعي الهش أصلا بفعل الظلم والجهل والفقر.

من البديهي أن التدهور المتوقع بل الحتمي لأكبر الشركات العمومية ستكون له انعكاسات مدمرة على المال العام وعلى الاقتصاد برمته.

إننا نتصور جميعا المعاناة النفسية لمن يتوقع ذلك من مسيري تلك الشركات أو على الأقل أولئك الذين يتحلون بالحد الأدنى من الحس الوطني أو المهني وهم أمام مشهد شركاتهم تستنزف من قبل المصارف.

* هل ينوي أصحاب القرار السياسي بجدية الاستمرار في التباهي « بإنجازات » تمول عن طريق الكشوف المصرفية؟

إن هذا السلوك يعطي في حد ذاته أبلغ صورة عن ظاهرة « رئيس الفقراء ». فنحن كنا على يقين تام من أنه ليست لديه عصا سحرية لإنجاز ما عجز عنه كل من سبقوه. إن ميزته الوحيدة لمضاعفة الانجازات تكمن في قدرته على الالتزام دون التفكير فيما إذا كان بوسعه الوفاء بالتزاماته أو التفكير فيما لخياراته من انعكاسات مدمرة على ممتلكات الأمة.

ذلك أن اللجوء لإرغام الشركات العمومية ذات المهام الاجتماعية الحيوية على تمويل أنشطتها عن طريق الكشوف المصرفية يعتبر تصرفا غبيا ومثيرا للسخرية من الناحية الفنية وانتحارا من المنظور الاقتصادي وجريمة اقتصادية تستحق المتابعة من الناحية القانونية. إذ أن أي مداخيل مالية تحققها الشركات تذهب تلقائيا لتغطية الفوائد على الديون كما أن أي تمويل جديد سيرفع سقف المديونية ومن ثم الأعباء المالية في ظل دوامة مأساوية ستؤدي حتما إما إلى الإفلاس وإما إلى الخصخصة الرخيصة.

*هل أخذ أصحاب القرار في الاعتبار ما تمليه مسطرة الأولويات بالنسبة لقطاعات اجتماعية حيوية؟

في هذا السياق ماذا يمكن أن تجدي التوسعة المحدودة للشبكة الكهربائية أو بناء عدة كيلومترات من الطرق المعبدة إذا كان كل ذلك يتم على حساب المتطلبات الأساسية في مجالات التعليم والصحة ومكافحة الفقر؟

إن الأمر أشبه ما يكون برب أسرة لا يكتفي بأن يحرم أطفاله من المدرسة ومن تغذية جيدة ويضحي بصحتهم إلا أنه مع ذلك يقترض المال لمجرد التمتع بعرضهم في ثياب جديدة مرتين أو ثلاث في السنة.

يؤكد تقرير الدراسة التي أنجزتها الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) هذه السنة حول إعادة هيكلة قطاع الكهرباء « أن شركة صومالك تدفع للمصارف الخصوصية، في شكل فوائد على الديون، مبالغ تتجاوز إجمالي ما تدفعه من أجور »!

وهكذا فإن المديونية المالية لشركة الكهرباء استوعبت خلال سنة 2010″ نسبة 15 % من رقم الأعمال ( أي أزيد من الأجور التي تستوعب نسبة 12 % ) مما جعل شركة صوملك على حافة الإفلاس« .

إن الآفاق على الصعيدين القصير والمتوسط أكثر قتامه حيث أن شركة صومالك التي تعاني أصلا من عجز هيكلي ( إنتاج كلوات لا يغطيه التسويق إلا بنسبة 25 % ) تنوي مضاعفة إنتاجها خلال سنة 2012.

فكيف سيتم تجنيبها الإفلاس المالي الذي يلوح في الأفق بحكم طريقة تسييرها؟ ذلك أنه كلما أرتفع إنتاجها كلما زادت خسارتها بأضعاف مضاعفة في الوقت الذي تقدر فيه خطة العمل التي أعدت من أجل تقويم فعلي للشركة والتي تمتد على 6 سنوات (-2015 2009) احتياجاتها في مجال التمويل بمبلغ 244 مليون يورو أي ما يعادل 100 مليار أوقية!

فهل يفكر أصحاب القرار فعلا في رفع هذا التحدي باللجوء للكشوف المصرفية؟

أما شركة صوما غاز فليست في وضعية أحسن، فعلاوة على المديونية المذكورة أعلاه فإنها تتعرض لتسيير كارثي تجسده تكاليف الاستيراد الباهظة التي تضاعف الأسعار المعتمدة لدى جيراننا السنغاليين (1420 دولار للطن مقابل 600 دولار).كما يجتاز تموين الشركة هو الآخر فترة مضطربة حيث أن المناقصة التي أعلنت عنها هذا الأسبوع لم تجد طريقها للتنفيذ بفعل قلة العروض (عرض واحد). من هنا بات من المشروع أن نتساءل عمن هو المستفيد من الموت المبرمج لهذه الشركة كما هو شأن شركة سونمكس. ومن المعروف أن هاتين المؤسستين تشكلان الركيزتين التي تقوم عليهما سياسة التموين لصالح الفئات الأكثر فقرا.

و بشكل عام يجتاز قطاع الطاقة الإستراتيجي هذه الأيام مرحلة مضطربة نتيجة تخبط النظام الحاكم لدرجة بات معها تموين البلاد في إطار المحاور الثلاثة للقطاع غير مضمون.

و هكذا:

1) فإن الدراسة الممولة من طرف الوكالة الفرنسية للتنمية والتي يفترض أن تشكل ورقة طريق لشركة صوملك توضح معالم نشاطها المستقبلي لم تجد طريقها إلى التنفيذ بفعل تلكؤ الحكومة عن تصديقها.

2) كما أن المناقصة المتعلقة بنقل الوقود (من انواذيبو إلى انواكشوط) التي أعلن عنها هذا الأسبوع لم تكن أوفر حظا من مناقصة صوما غاز بفعل انعدام مرشحين مهتمين.

كما لو كان عدم الشفافية الذي يطبع نهج السلطة الحالية في مجال عقد الصفقات العمومية منفرا للممونين الأجانب.

بل الأدهى من كل ذلك كون السلطات العمومية لا تبدو واعية بخطورة الوضع اللهم إلا إذا كانت سياسة متعمدة.

III. إنشاء شركات جديدة بشكل فوضوي: ضرورة اجتماعية أم ديماغوجية شعبوية؟

ما فتئت السلطة الحاكمة رغم عجزها عن تسيير الشركات العمومية القائمة بالشكل المطلوب تعمد إلى إنشاء شركات جديدة مرشحة كلها لاستيعاب موارد مالية هائلة دون استخلاص الدروس والعبر من إخفاقات الماضي.

و لذلك فإن شركة سنيم التي باتت البقرة الحلوب للنظام القائم مدعوة بصفة متكررة إلى تعريض وضعيتها المالية التي لا تزال هشة رغم التحسن الذي حققته بشق الأنفس وبتضحيات عديدة من عمالها.

فهذه الشركة عبأت 40 مليون دولار لصالح مشروع شركة الطيران الجديدة (الخطوط الدولية الموريتانية) التي لم تؤكد أي دراسة استجابتها لمعايير موضوعية.

وهكذا تم اقتناء ثلاث طائرات تعتبر اثنتان منها على الأقل بالية وذلك في إطار صفقات غامضة كثر الحديث عما صاحبها من رشاوى خيالية وأدت الارتجالية إلى أن الشركة الجديدة لم تحصل بعد على الترخيص (CTA) الذي يخولها الشروع في رحلات تجارية. وفي انتظار ذلك تبقى الطائرات التي تم اقتناؤها بأسعار باهظة جاثمة في المطار بما يترتب على ذلك من أعباء مالية تقدر ب 30 مليون أوقية شهريا بغض النظر عن الخسارة التي يمثلها توقفها.

هنالك أمر مؤكد واحد هو أن هذا المشروع تسبب بالفعل في خسائر جانبية معتبرة.

ففور الإعلان عن إنشاء الشركة الجديدة توقفت شركة « موريتانيا إيرويز » رامية في الشارع مئات العاملين الذين التحقوا بركب ضحايا شركة الخطوط الجوية الموريتانية ناهيك عن ما سببته تلك الاضطرابات من خسائر وإزعاج للزبناء ولوكالات السفر الموريتانية.

وواصل النظام هذا النهج حيث أنشئت في هذا السياق شركة جديدة للنقل العمومي « بتعليمات من رئيس الدولة » وذلك طبعا بنفس الطريقة القائمة على الارتجالية وعدم إنجاز الدراسات أو اعتماد دفاتر الإلتزمات المعهودة. ومن ثم كان من الطبيعي أن نرى الشركة المذكورة هي الأخرى تتخبط بعد إنشائها بأسابيع قليلة في أزمات.

ولكن هذه المرة لجأت السلطة لرجال الأعمال كي يتدخلوا ويوفروا الوسائل مستخدمة الابتزاز والتهديد من أجل إرغامهم. ورغم كل ذلك فإن مرد ودية آخر فكرة لقائدنا الملهم لا تجد ما يؤكدها.

فالوضعية التي عرضها المدير العام خلال الاجتماع الأخير لمجلس الإدارة تبين أن الثمن المسموح به لتذكرة الباص لا يغطي سوى %30 من تكلفة نقل مسافر، في ظل التدهور الحتمي لتلك الوضعية مع تقادم معدات النقل وما ينتج عنه من ارتفاع في تكاليف الصيانة.

وقد استجاب 10 من رجال الأعمال وساهموا في المشروع بمعدل 100 مليون أوقية لكل واحد منهم ولكن من أجل استرضاء السلطة الحاكمة والتهرب من بطشها أكثر منه اقتناعا بجدوائية المشروع.

لو كنا في بلد آخر لكان ذلك يسمى انتزاعا للأموال كما يمارسه قادة الحرب ويكون في ظله مناخ الأعمال غير مطمئن.

وقد اتضح أن المستفيدين الوحيدين من هذا الاختراع الجديد هم ثلة قليلة من « الأثرياء الجدد » في « موريتانيا الجديدة » المعروفين بصلاتهم بقمة السلطة. وقد استفادوا من الصفقات المربحة لتزويد سيارات شركة النقل العمومي بالوقود وصيانتها ذلك أنه في ظل الارتجالية التي اكتنفت انطلاق أنشطتها لم تزود الشركة بالحد الأدنى الضروري المتمثل في ورشة ميكانيكا وخزان و مضخة للوقود.

أمام هذه التصرفات فإن المراقب المهتم بشؤون بلده لا يجد بدا من التساؤل عن السر وراء استماتة السلطات من أجل إنشاء شركات عمومية بهذا الشكل من الارتجالية الذي يعرض الممتلكات العامة في ظل دعاية صاخبة وزائفة عن محاربة مزعومة للفساد.

فهل تهدف كل تلك التصرفات والحملات إلى تصفية الحسابات مع بعض الخصوصيين الوطنيين المشكوك في ولائهم السياسي أم أن الهدف الحقيقي هو الاستحواذ على موارد الدولة من خلال شركات عمومية حتى ولو كانت مفلسة إلا أنها وعاء لامتصاص الأموال العمومية الشحيحة عن طريق  » رجال ثقة  » عينوا لاعتبار زبونية.

هنالك على أية حال مؤشرات لا تدع مجالا للشك تؤكد كلها وجود ممارسات مألوفة مستمدة من الأنظمة المافوية تتجسد في ثلاثة مراحل هي:

(1) سب وكلاء الإدارة من أجل ابتزازهم؛

(2) القيام بتعيينات زبونية؛

(3) اللجوء للصفقات بالتراضي؛

وهكذا يفتح النظام لنفسه قنوات واسعة للرشوة والاحتيال مع اعتماد خطاب الإصلاح ومكافحة الفساد للتمويه.

IV. ما للعمل لإنقاذ الاقتصاد والاستقرار؟

ومن هنا يتبين لنا أن سياسة إفلاس الشركات العمومية وإنشاء شركات جديدة تندرج في إطار عملية فساد بشعة يعتمد أصحابها مغالطة المواطنين وإيهامهم بأنهم يتكفلون باحتياجاتهم الأساسية.

ولا سبيل إلى دحض هذا الواقع إلا بتقديم ردود شافية ومقنعة على التساؤلات التالية:

• كيف سيتم تسديد ثمن الباصات التي تم اقتناؤها بالدين من الإيرانيين مقابل 30 مليون أوقية للوحدة في حين تشير التوقعات على ضوء الظروف التي انطلقت فيها أنشطة شركة النقل العمومي إلى خسارة قدرها 600 مليون أوقية في السنة؟

• كيف نضمن استمرار شركة طيران تتوفر على طائرات بالية كلفت عشرات ملايين الدولارات ولم تحصل منذ شهور على الترخيص لتنظيم رحلات تجارية على الخطوط الدولية؟

• ما هو مصير مبلغ 8 مليارات أوقية الذي قدمه البنك المركزي الموريتاني لشركة سونمكس؟ خصوصا أن المدير العام السابق لسونمكس السيد مولاي العربي, أكد بالأدلة الدامغة تركه تلك المبالغ في شكل مخزون احتياطي وإيداعات لدى الخزينة العامة؛ ثم إن عدة شهود اجمعوا على أن تلك المبالغ صرفت بالكامل فيما يبدو لتمويل حملة الجنرال المرشح. ومهما يكن من أمر فإن جميع المراقبين يستغربون أن لا تستجوب العدالة حاليا أي شخص بشأن هذا الفساد الصارخ في حين يقبع آخرون في السجون بتهمة تبديد مبالغ تبدو زهيدة بالمقارنة.

• كيف يمكن للخزينة العامة أن تستمر في تنفيذ بعض التسديدات خارج ميزانية الدولة كما هو الحال بالنسبة لمبلغ 5000 مليون الذي استخدم لبناء بلدة « ترمس » علما أن هذا المبلغ تم الإذن بصرفه بمجرد رسالة وزارية إلى مدير الخزينة العامة؟

لقد عرفنا في السابق حالة مشابهة لهذه منحت فيها السلطة الحاكمة نفسها الحق بالتصرف في الممتلكات العمومية كما يحلو لها في استهتار صارخ بمشاعر الرأي العام الوطني والدولي وتجاهل تام للمصالح الجماعية للمواطنين في الحاضر وفي المستقبل. وقد كان لتلك الممارسات تأثير كارثي حيث عرضت أمن البلاد واستقرارها وهزت مصداقية النظام لدى الشركاء الدوليين وهو ما سمي فيما بعد بفضيحة الأرقام المزورة (2007- 2005).

ورغم توافد العديد من  » بعثات المراجعة  » المتتالية إلى بلادنا كل 3 أشهر فإن شركاء التنمية أبدوا عند ذلك تساهلا كبيرا وغير مبرر بتغاضيهم عن ممارسات التزوير التي لم تكن تخفى على أحد فدفعت موريتانيا فيما بعد ثمنا باهظا في شكل « غرامات على حقوق السحب » تعويضا عن انحرافات النظام السابق.

وإن المؤشرات تؤكد اليوم كلها أن التاريخ يعيد نفسه.

ذلك أننا لا نرى أي سبيل أمام النظام الحالي في ظل مغامراته وانحرافاته للخروج مما أقحم فيه البلاد سوى اللجوء لأساليب التزوير والتلفيق.

ومما يزيد مخاوفنا أن تقرير بعثة صندوق النقد الدولي المذكورة أعلاه يعتمد الأرقام المتفائلة المقدمة من طرف السلطات العمومية.

فلنسجل للتاريخ، التفاؤل الكبير الذي أظهره فريق موريتانيا في تلك المؤسسة الدولية:

• تضخم برقم واحد هو 6 % سنة 2010؛

• تخفيض لقيمة الأوقية لم يتجاوز 9 % مقارنة بالدولار خلال سنة 2010؛

• عجز مالي لم يتجاوز 3 %من الناتج الداخلي الخاص باستثناء النفط خلال سنة 2010؛

• نمو الناتج الداخلي الخام بنسبة5,6 % سنة 2011؛

• 7 2, شهر من احتياطات العملة الصعبة للاستيراد لسنة 2011.

علينا أن نعلم أن الوقوع ثانية في نفس الفخ لم يعد مقبولا فلا نريد أن يطلع علينا صندوق النقد الدولي بعد فترة ويقول:  » لم نكن نعلم  » وعليكم أن تدفعوا ثمن سوء تصرف حكومتكم.

إننا لا يمكن أن نختلف على أن بقاء بلدنا مهدد في ظل أنماط التسيير والفساد المبينة أعلاه. وإننا مطالبون جميعا بمواجهتها. وعليه فمن ا لضرورة إنجاز تقييم شامل للوضع تمهيدا لأي حل محتمل لذلك فإننا نطالب بتشكيل لجان برلمانية (تشترك فيها الأغلبية والمعارضة) يعهد إليها بما يلي:

اللجنة 1: استعراض شامل لالتزامات وصفقات الشركات العمومية وتوضيح ملابسات منح صفقات الدولة الجاري تنفيذها؛

اللجنة 2: إنجاز مراجعة لحسابات الخزينة العامة وإعداد تقرير عن تنفيذ ميزانية الدولة من مداخيل ومصروفات خلال السنوات الثلاث الأخيرة.

اللجنة 3: جرد شامل لالتزامات الدولة خارج الميزانية.

ومن أجل ضمان الشفافية والحياد السياسي لتلك اللجان، نقترح أن يوكل تنسيقها إلى خلية تضم رؤساء الفرق البرلمانية أو كلا من:

• رئيس مجلس الشيوخ؛

• رئيس الجمعية الوطنية؛

• الوزير الأول؛

• زعيم المعارضة؛

انواكشوط بتاريخ، 21/04/2011م

لجنة الدراسات

LEAVE A REPLY