الاتحاد من أجل الجمهورية: عملاق بأرجل ورأس من طين

0
596

دخل السجال السياسي في بلادنا منعطفا وسخا منذ الإطاحة بالشرعية الدستورية في السادس من أغشت 2008، حيث استخدم العسكر ما علق في تجاويف أحذيتهم من وحل ليصنعوا منه -على عجل- ألغاما موقوتة تستخدم عند الاقتضاء لإرباك الساحة السياسية الوطنية وتخريب ما تزخر به من تراث ومن مظاهر مقاومة. هكذا ولد الاتحاد من أجل الجمهورية وهكذا زرع كشوكة في خاصرة الوطن لشل قدراته وتطويعه أملا في تسويغ الانقلاب وتمرير المؤامرة التي يتعرض لها.

ليس صدفة إذا أن يثير هذا الاتحاد فرقعات من حين لآخر ولا أن تظل رائحة صديده تزكم الأنوف، غير أن اللافت للانتباه أن قيادته تماهت مع الدور المرسوم لها لدرجة باتت تعتقد معها فعلا أنها تقود حزبا طبيعيا من منبت أصيل وتصدق أنها قيادة “الحزب الحاكم” وأنها ند للقيادات السياسية التاريخية، بل وأنها عملاق يجهد بصيرته ليستطيع رؤية أقزام المشهد السياسي الذين لا يعدلون ذرة في ميزانها!

قد يكون الاتحاد عملاقا بالفعل، وإن كان عملاقا بأرجل ورأس من طين. وقد يكون حزبا حاكما وإن كانت دائرة نفوذه لا تتجاوز بضعة مكاتب –في مقره المركزي- شبه مهجورة أو لعلها قفزت أخيرا لتطال قرية “ادويراره” في مشهد ينم عن مستوى مروءة “الحزب الحاكم”، غير أنه لا شيء يسوغ أن تتصور قيادة الاتحاد –ولو للحظة- أنها ند للقيادات السياسية التاريخية في المعارضة ولقيادة اتحاد قوى التقدم بالتحديد!

لشتان ما بين اليزيدين في الندى يزيـد سليـم والأغـر ابـن حاتـم
يزيد سليــم سالـم المـال والفتى أخو الأزد للأموال غير مسالـم
فهـم الفتى الأزدي إتلاف ماله وهم الفتى القيسي جمع الدراهم

شتان ما بين اليزيدين، لأن قيادة الاتحاد أقحمت عنوة في المشهد السياسي بقرار مرتجل من عسكري لفظته الطبقة السياسية، ولأنها يمكن أن تختفي من هذا المشهد بقرار آخر ليطويها النسيان دون أن تثير أبسط اهتمام، أما قيادة اتحاد قوى التقدم فقد راكمت رصيدها من الاحترام والمصداقية عبر عقود من النضال وأثبتت في كل مرة وضعت فيها على المحك أنها جديرة بموقعها ومؤمنة بمبادئها ومستعدة للتضحية في سبيل استقلال وطنها وازدهاره.

شتان ما بين اليزيدين، لأن قيادة الاتحاد –وخصوصا ثلاثيها المرح- التي تشن حربا لا هوادة فيها على الطبقة السياسية وعلى تاريخ البلاد والأحكام التي تعاقبت عليها، تقف عاجزة عن الإجابة على أبسط تساؤلات يفترض أن تواجه كل من يتقمص دور الزعامة ويتبجح باحتكار الوطنية وكل ما يرتبط بها من قيم البذل والإخلاص والتضحية والنزاهة: أين كان هؤلاء خلال كل العقود السابقة التي يلعنونها اليوم ويعتبرونها كارثية على البلاد؟ لماذا لم يسجل تاريخ الوطن لأي منهم وقفة عز واحدة خلال كل المحن التي مر بها وطنهم؟

في غياهب أي جب كانت تختفي وطنية هؤلاء وشجاعتهم عندما كانت “التراكمات” تثقل كاهل البلاد شيئا فشيئا؟ ألا يتذكر أحدهم “لا” واحدة نطق بها أي منهم للتعبير عن رفضه خلال كل تلك العقود من “التراكمات” المدمرة؟ ألا يجد أحدهم في سجله موقفا وطنيا يتيما دفع به لقضاء ليلة واحدة “عند الدرك” أو الحرس أو حتى عند “مليس”؟ وما معنى أن لا تنفجر “وطنيتهم” إلا حين يجمع كل من عرف عنهم الاهتمام بالشأن العام أن البلاد تواجه مؤامرة مدمرة؟

أين اختفى هؤلاء حين كانت قيادة اتحاد قوى التقدم منذ الستينات ترفع مطالب الاستقلال الاقتصادي والحرية والعدالة الاجتماعية وتعاقب بسببها بالطرد من قاعات الدراسة ومن الوظائف وبالزج في السجون؟ وحين كانت تنشط بين العمال لتوعيتهم بمسؤولياتهم الوطنية وبين الفلاحين لترفع من مستوى وعيهم ولتقودهم في انتفاضات ضد ملاك العبيد والإقطاعيين؟ وحين كانت تنظم التلاميذ والطلاب وتجوب البلاد طولا وعرضا لتستنهض الهمم وتنشر الوعي؟

أين اختفى وطنيو الزمن الجديد حين كانت قيادة اتحاد قوى التقدم تقف في وجه الحرب الظالمة بين الأشقاء وتواجه المؤامرات التي تحاك ضد سيادة البلاد وأمنها وتقترح الحلول لمشاكل الوحدة الوطنية والظلم الاجتماعي والتوزيع العادل للثروة؟ وحين قارعت الدكتاتورية ورفضت تقسيم الشعب على أسس عرقية وجر البلاد إلى حرب أهلية؟ وحين كانت تفضح بمهارة وجسارة الانزلاقات الخطيرة للدكتاتورية وتعمل على إسقاطها أو جرها إلى الانفتاح الديمقراطي؟

أين اختفى هؤلاء يا ترى حين كانت قيادة اتحاد قوى التقدم تلقي بعناصرها بين المبعدين في مخيماتهم لتفادي سقوطهم في أيدي المتطرفين، وبين الجماهير في الداخل والخارج لمحاصرة الشرخ الحاصل في الوحدة الوطنية؟ وحين كرست كل وقتها وطاقاتها وإمكاناتها لمواكبة التحول الديمقراطي وللحفاظ على وحدة صفوف القوى الوطنية والديمقراطية؟ وحين قاومت وفاوضت وشاركت في مختلف المواقف والاستحقاقات الوطنية لتسمع الصوت المغيب للجماهير ولتعبر عن مواقف وطنية أصيلة ولتحفر أسماءها في سجل النضال الوطني المشرف؟

نحن نعرف أين كان هؤلاء، غير أن مشكلتنا ليست مع مأمورين جبلوا على الاحتراق لإنارة دروب المغامرين، مشكلتنا هي مع من يجردون هؤلاء وأمثالهم من قيمهم ليستخدموهم كأدوات لتضليل الشعب وإذلاله بعد أن يشتروهم بثمن بخس مناصب أو دراهم أو مجرد وعود قد لا تجد طريقها للتنفيذ! مشكلتنا مع من يحرمون ضحاياهم حتى من التمتع بالكرامة الإنسانية حين يحولونهم إلى ببغاوات يرددون بصوت مسموع ما يوسوس به لهم أسيادهم خلف الكواليس!

ولئن سألت هؤلاء من هم؟ أية ريح قذفت بهم؟ وإلى أين يركضون؟ فلن تجد أكثر من أنهم مؤمنون ببرنامج رئيس الجمهورية! وكأن الذي يتحدثون عنه ليس سوى الجندي الذي تمرد على رئيسه وداس بعرباته دستور البلاد وطمأنينة أهلها، أو كأن الخطوط العريضة لبرنامجه شيء آخر غير التفريط في الأمانة والنكث بالعهود وبيع الأوهام! أو كأن الإيمان بهذا البرنامج وسام شرف يمنح صاحبه الأهلية والنبوغ والوصاية على الآخرين وحتى الخلود!

مشكلتنا ليست مع هؤلاء وإن كنا نتفهم دوافعهم ومخاوفهم وسر قلقهم، وأكثر ما نتفهمه هو تبنيهم لكلما يتم طبخه في الغرف السوداء لسادتهم ضد اتحاد قوى التقدم، وحماسهم منقطع النظير لمجابهته والتهجم عليه، إذ لا شيء أثقل على صاحب السجل الفارغ من العطاء، من منافسة من يجر خلفه تاريخا من البذل والتضحية والمصداقية! ولا شيء أكثر إرباكا لقيادة صورية لفظها سيدها قبل أن تلفظها “قواعدها”، من التطاول على قيادة جديرة بمناصبها وواثقة من قواعدها! رغم أنه ليس هناك ما هو أكثر إذلالا لقيادة “الحزب الحاكم” من أن تكون مجرد صندوق بريد لتصريف مخرجات من لا يقيم لها وزنا ولا يعيرها أدنى اعتبار!

د. السالك ولد الشيخ / مناضل في اتحاد قوى التقدم

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here