الإعلان السيــــــــاسي : وثيقة توجيه استراتيجي

0
170

يشهد العالم تحولات عميقة في ظل الأزمات الاقتصادية الحادية التي تواجهها بلدان الغرب نتيجة التركيز المفرط للثروات في أيدي مجموعات قليلة من المضاربين الماليين من جهة وتراكم مديونية البلدان الأضعف اقتصاديا.

وعلى العموم فإن مرحلة تاريخية جديدة بدأت بالفعل أمام أعيننا رافضة لإملاءات الدول الغربية القوية ومعلنة ميلاد عالم متعدد الأقطاب وأكثر توازنا.

وتجسد التغيرات الناجمة عن الربيع العربي التوازن الجديد من جهة ودخول الشعوب حلبة المعركة من أجل توسيع الديمقراطية.

كما أن حصول الدولة الفلسطينية على وضعية عضو مراقب في الأمم المتحدة يؤكد بجلاء تطور موازين القوة على الصعيد الدولي.

وبينما يواصل الشعب الصحراوي نضاله البطولي من أجل تقرير مصيره فإن الوضع في شبه المنطقة يتميز بتفاقم تهديدين خطيرين هما: الإرهاب المافيوي الذي يمارسه تجار المخدرات والإرهاب الجهادي.

ويضع تشابك هذين التهديدين اللذين وجدا في شمال مالي مجالا واسعا للتحرك، كافة بلدان شبه المنطقة أمام تحد خطير يتعين التعامل معه بسرعة وبتبصر.

الميزة الأخرى لشبه المنطقة في هذه الفترة هي التجاذب شبه العام بين النزعة الاستبدادية والحراك الديمقراطي (الانقلابات في موريتانيا ومالي، تناحر مجموعات المهربين في غنيا بيساو إلى جانب التطورات الديمقراطية في كل من غينيا والسنغال).

في موريتانيا تميزت السنوات الخمس الأخيرة بأزمة متعددة الأبعاد وحادة أحيانا:

• أزمة اقتصادية تتجسد في فقر متنام للسكان رغم ما يروج له من برامج مزعومة لمكافحة الفقر؛

• أزمة سياسية تكتسي، على مر الأيام، شكل مواجهة مفتوحة بين المعارضة الديمقراطية والسلطة الحاكمة؛

• أزمة سياسية واجتماعية وتنامي النزاعات العرقية بفعل تأثير الممارسات الشوفينية (التعليم، الاكتتاب، تقييد السكان) والتسيير غير المناسب للقضايا ذات الصلة بالمغارم الإنسانية ومعالجة متخاذلة وغير موفقة لقضية الرق.

إن تلك الأزمة التي تزداد كل يوم عمقا وتعقيدا تتفاعل فيها عوامل ظرفية وقضايا هيكلية وتلك مشاكل مطروحة لكافة الفاعلين السياسيين.

وإن اتحاد قوى التقدم انطلاقا من قناعاته الوطنية والديمقراطية وتجربته الطويلة في النضال من أجل التغيير الاجتماعي لا يمكنه إلا أن يتحمل مسؤولياته تجاهها.

إن اتحاد قوى التقدم يحمل مشروع مجتمع متجذر في القيم الحضارية الايجابية للمجتمع الموريتاني ويتبنى مبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية، كما ينجسم مع التوجه الرامي إلى ابتكار نسيج اجتماعي جديد متحرر من مظاهر التخلف الاجتماعي والثقافي المعيقة ومن كافة أشكال التمييز والإقصاء.

مشروع مجتمع يقوم على:

* المثل المقدسة للحرية والتسامح واحترام الآخر والمواساة المستمدة من الإسلام وكذلك على متطلبات العدالة ومقتضيات القانون الوضعي وليس على الأحكام المسبقة ذات الطابع الاجتماعي والثقافي ولا على إقصاء الأغلبيات المهمشة (النساء، الشباب) والشرائح الأساسية الأخرى من السكان (الفئات الاجتماعية المطهدة والمعاقين، إلخ…).

* الاختيارات الفردية والجماعية المتحررة من كل القيود وليس على أشكال التبعية والاضطهاد المتجاوزة كبقايا للهياكل الاجتماعية البائدة الإسترقاقية أو الإقطاعية؛

* الطابع المتعدد القوميات للشعب الموريتاني والمساواة الفعلية بين جميع مكونات الأمة وكذلك التضامن الوطني الطوعي والواعي بدل النزعات العرقية والخصوصية التي تؤدي للإقصاء وللعنف الدموي؛

* استفادة عادلة من الثروات الوطنية وتوزيعها بإنصاف خاصة لصالح الفئات التي ظلت منذ عهد بعيد مهمشة ومحرومة، بدل استحواذ أقلية من المترفين على الاقتصاد؛

* قيام ديمقراطية مواطنة حقيقية تمنح مجالا واسعا للمنظمات الاجتماعية القاعدية وللمبادرات المحلية والشعبية بدل خضوع الشعب للدولة والأمة لمركز مهيمن.

تلكم المبادئ التي تبرز طموح اتحاد قوى التقدم لبناء دولة مستقلة قوامها الديمقراطية التعددية والتقدم الاجتماعي في قطيعة مع الاحادية السياسية والممارسات الاستبدادية.

وسيحكم هذه الدولة:

• التشبث بقيم دين الشعب الموريتاني؛

• المبادئ الجمهورية كالمساواة في الحقوق والواجبات والحكامة الديمقراطية والشفافية؛

• حماية واحترام الخصوصيات والانسجام بين الثقافات الوطنية.

وعلاوة على وظائفها التقليدية فإن على الدولة أن تتحمل المسؤوليات الأساسية التالية:

• خلق الظروف المواتية لقيام مجتمع موحد ومتضامن، متحرر من العقبات والممارسات البائدة ويفتح المجال أمام اقتصاد السوق الذي تحكمه ضوابط المنافسة وقواعد التنظيم في محيط اقتصادي واجتماعي عصري.

• تأمين الاحتياجات الأساسية لكافة الموريتانيين والموريتانيات، دخول دائمة، أمن غذائي، سكن، تعليم وصحة؛

• تشجيع نمو نسيج جمعوى كبير ومتنوع يقوم على المواطنة الحقيقية (الحقوق والحريات،أنشطة تضامنية، ترسيخ الديمقراطية، الإنعتاق الفني والثقافي)؛

• تطوير المبادرات العمومية مع تشجيع ودعم المقاولات الخصوصية وتنظيم وعصرنة القطاع الاقتصادي المعروف بغير المصنف ودعم الأنشطة التعاضدية وتنمية التجمعات المحلية؛

• الصيانة والتسيير المستدام للموارد البيئية وانتعاش المناطق الريف والحد من هجرتها مع تشجيع تنمية أقطاب اقتصادية قائمة على إشراك كامل للسكان والمجموعات والتجمعات المحلية في تسيير الموارد الطبيعية وفي فض الخلافات والنزاعات؛

• المشاركة على مستوى المجالات الجيو سياسية الإفريقية والعربية والإسلامية في إنشاء وتوطيد تجمعات إقليمية، شبه إقليمية ودولية قادرة على الإسهام في حركة التنمية الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة والإسهام، بالتشاور مع الدول الشقيقة المجاورة، في تسيير مشترك ومبتكر للموارد البيئية والثقافية في المناطق الحدودية؛

• دعم ومواكبة التحرك من أجل عولمة تصون المصالح الأساسية للبشرية ولدمقرطة العلاقات الدولية، بالتعاون مع قوى التقدم في العالم، مع مقاومة التوجهات الرجعية في النظام الرأسمالي الذي لا تستفيد منه سوى أقليات مترفة وينتهك حقوق الشعوب والبلدان ويهدد ظروف ومصادر أي حياة؛

• الإسهام في بناء عالم متعدد الأقطاب غير خاضع لتوجيهات وإملاءات دولة أو دولتين من الدول العظمى وإقامة تعاون دولي تضامني وفعال يحترم حقوق الشعوب والبلدان.

الأهداف الإستراتيجية:

إن تطور السياق الدولي الذي يطبعه توسع الديمقراطية على الصعيد العالمي من جهة والطابع المدمر والانتحاري للنزعات الداخلية في إفريقيا بالنسبة للشعوب وللدول من جهة أخرى، تجعل الأساليب الاعتباطية والأشكال العنيفة للسيطرة على جهاز الدولة متجاوزة وغير مجدية.

ويتمثل الخيار الإستراتيجي لاتحاد قوى التقدم من أجل الوصول إلى السلطة في النهج السلمي المبنى على أغلبية ديمقراطية من المواطنين. لهذا الغرض يتمسك اتحاد قوى التقدم بأهدافه الاستراتيجية الأساسية وهي:

• توحيد أهم القوى الاجتماعية حول برنامج سياسي يعكس تطلعات واحتياجات الشعب الموريتاني ويساهم في تجسيد مشروع المجتمع الذي يحمله الحزب؛

• اعتماد وقيادة ودعم النضالات المتعددة الأشكال لمختلف شرائح الشعب من أجل تحسين ظروفها المعيشية سبيلا لانتزاع وصيانة حقوقها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛

• تحمل مسؤوليته التربوية مع العمل على ترسيخ الديمقراطية في المجتمع اعتمادا على وسائله الذاتية وتشجيع ودعم تنمية مجتمع مدني فاعل ومبدع قادر على الإسهام في التغييرات الاجتماعية والثقافية الإيجابية وتوسيع مجال المبادرات الشعبية؛

• الإسهام في تكريس ديمقراطية هادئة من خلال مسلسل تغييرات تدريجية توفق بين النضال والحوار والإصلاحات التي تحظى بالإجماع؛

• استغلال كافة مساحات الحرية والتعبير الديمقراطي وتحويل الدوائر الانتخابية المكتسبة، عن طريق المنافسات الانتخابية، ساحات لاختبار وبث نمط جديد من تسيير الشأن العام والعلاقات مع المواطنين؛

• كسب أوسع طبف من القوى والشرائح في المجتمع (رجال الأعمال الغيورين على الوطن، المثقفين الديمقراطيين، الشخصيات الوطنية) بغية تعزيز معسكر قوى التغيير والدفع في اتجاه قيام بديل مقبول عن النظام الحالي؛

إن حزب اتحاد قوى التقدم منظمة وطنية، ديمقراطية وتقدمية تلتزم في مسارها وعملها بثلاثة ثوابت هي:

• النضال العتيد من أجل الاستقلال والكرامة الوطنية الذي ترك بصمة بارزة في تاريخ موريتانيا؛

• تجربة الحركات الديمقراطية المتتالية التي خاضت منذ أربعينيات القرن الماضي نضالا متعدد الأشكال من أجل الحرية والوحدة الوطنية والتحولات الاجتماعية وضد سيطرة الاستعمار أولا ثم الاستعمار الجديد والأنظمة الاستثنائية فيما بعد؛

• نضالات القوى التقدمية على الصعيد الدولي من أجل العدالة والرقي الاجتماعي وقيام نظام دولي غير خاضع لمتطلبات رأس المال ومصالح القوى العظمى.

وبحكم إرثه التاريخي والمبادئ التي يستلهم منها وأهدافه الإستراتيجية ومناهج عمله، فإن اتحاد قوى التقدم ظل في طليعة النضال من أجل التغييرات المجتمعية الضرورية لتحرر وانعتاق الشعب الموريتاني.

كل تلك المواصفات تقتضي الالتزام بأخلاقيات سياسية يتقيد بها اتحاد قوى التقدم وتشمل المبادئ التالية:

• التنديد بأي شكل من أشكال الظلم والتعسف؛

• الدفاع عن مصالح الفئات الضعيفة؛

• العمل على إشراك أوسع للنساء والشباب في هياكل وأنشطة الحزب حتى أعلى المراتب؛

• رفض الشعبوية و الهاجس الانتخابي الرخيص والممارسات غير اللائقة؛

• الاستعداد للحوار وتوخي الحلول التوافقية والديناميكية؛

• القناعة الراسخة بأن تحقيق أي مصلحة حزبية لا تكون مرغوبة إذا تعارضت مع مصالح الشعب والأمة.

لكل هذه الأسباب فإن اتحاد قوى التقدم، مع انفتاحه على كل أصحاب النيات الحسنة، يراعي بالأساس في تشكيل هيئاته المختلفة الالتزام الصادق بمبادئ وأهداف الحزب الاستراتيجية وبالوفاء و الكفاءة والقدرة على التعبئة السياسية والاجتماعية.

نواكشوط 30 ديسمبر 2012

المؤتمر