|
| |||||||||||
|
الانتخابات الرئاسية 2003: الرهانات والآفاق لم يعد يفصلنا وقت طويل عن ثالث اقتراع رئاسي في العهد شبه الديمقراطي وهو الاقتراع الذي يستعد له النظام الحاكم والمعارضة بحماس متزايد في حين تتعدد الترشحات مما ينبئ بمنافسة ضارية وعنيفة يكتنفها الكثير من الغموض ويحيط بها العديد من المخاطر من حيث الظروف التي ستجري فيها. وعلى الرغم من ذلك فإن الأمل بات كبيرا لدى شرائح متزايدة تطمح بشغف إلى أن يتحقق بهذه المناسبة التناوب المنشود على رأس هرم سلطة الدولة التي أنهكها الركود وأضحت عاجزة عن مواجهة الصعوبات التي تتخبط فيها البلاد منذ عقود من الزمن في ظل وهن السلطة وعزوفها عن كلما من شأنه التخفيف من وطأة أزمة أصبحت بالفعل مثيرة للقلق. وقد بات من المرجح أن المعارضة ستدخل هذه الانتخابات متفرقة على الرغم مما يمليه المنطق السياسي ومن الجهود الحثيثة والمحاولات التي قامت من داخل صفوفها أو من خارج الأحزاب سعيا إلى إيجاد مرشح يكون موضع إجماع واسع. وفي ظل الغياب المؤسف لترشح موحد -كان من المفروض أن يستلهم من تاريخ المعارضة ويستجيب لتطلع قطاعات واسعة ومتعددة من مجتمعنا إلى تغيير شامل يؤمن السلم المدني والوئام الوطني- أصبحنا أمام تحديات جسام يتعين تناولها بما يلزم من تبصر وحذر وهي التحديات التي تطرحها علينا هذه الانتخابات التي تفتح آفاقا متناقضة أمام بلد يدخل منعطفا حاسما من تاريخه. وتستقطب الظرفية الخاصة التي ستجرى فيها هذه المنافسة انتباه المراقبين المهتمين بما سيؤول إليه هذا البلد المسكون بتطلع عميق إلى التناوب ويساوره مع ذلك هاجس الطريقة التي يمكن أو يجب أن يجرى في ظلها التناوب المنشود: هل سيجرى في ظل السلم المدني والمساومة البناءة بين مختلف الفاعلين السياسيين أم أنه -على العكس من ذلك - سيتفتح المجال أمام المواجهات المسلحة والعنف المدمر؟ ومهما يكن من أمر فإن هنالك فرصا حقيقية لكي يتم في هدوء نسبي هذا الانتقال نحو مرحلة متقدمة من مسلسلنا الديمقراطي إذا التزم النظام والمعارضة بنهج الحوار الصريح والمسئول وإذا كان دافعهم الرئيسي في ذلك اعتماد الأسلوب الوحيد الذي يناسب هذه المرحلة المضطربة من تاريخنا ألا وهو طريق الإجماع السياسي والاجتماعي. كما يلزم في هذا الصدد أن تثبت المعارضة ،في داخلها، وعلى كافة الأصعدة قدرتها واستعدادها لتحمل المهام التي تتطلبها وتفرضها ضرورة التناوب السلمي.
وسنتطرق إلى
موضوعنا من خلال المحاور الثلاثة التالية: الظرفية المتأزمة التي
ستجري في ظلها هذه الانتخابات (1)
ثم ما يترتب على تلك الأزمة من ضرورة تحقيق
تناوب سلمي(2)
وأخيرا العوامل التي تؤكد إمكانية حدوث التغيير المنشود في هذه السنة(3).
تأتي الانتخابات الرئاسية في ظرفية يعيش فيها المجتمع الموريتاني أزمة عميقة إذا كان مفهوم "الأزمة" قد يبدو ممجوجا فإن تأزم الوضع حقيقة يصعب التنصل منها في الوقت الذي يعلن فيه النظام -مجسدا في شخص المرشح المنتهية ولايته- عزمه على مواصلة سياسته المألوفة داعيا المواطنين إلى دعم التوجهات والقرارات التي أوصلت البلاد طيلة فترتين رئاسيين متتاليين إلى المأزق الحالي. ولعل التذكير بأهم مظاهر هذه الأزمة قد يساعد في فهم الضرورة الملحة للإصلاح في كافة المجالات الحيوية خصوصا في مجال التسيير باعتباره الدعامة الأساسية لأي عمل يرمي إلى إعطاء دفع جديد لدولتنا. أ - بعض المظاهر البارزة للأزمة ليس من الإنصاف أن لا نرى سوى سلبيات وتجاوزات النظام الحاكم أو أن نرفض الاعتراف ببعض النجاحات التي تحققت في مجالات متعددة (سياسية واقتصادية واجتماعية). وليس من الإنصاف كذلك القول بأن توجهات وقرارات النظام بمجملها خاطئة ولا تصلح لشيء. إن من واجب كل شخص سواء كان سياسيا أم لم يكن أن يتوخى الأمانة والموضوعية في الحكم، فمن غير المفيد أن ننظر إلى الأمور نظرة مانوية إذ أن المرأ إذا ما استمر في التنكر للواقع يصبح في نهاية المطاف معرضا للعدول عن كلما لديه من قناعات. وإذا كانت حصيلة النظام الحاكم ليست كلها سلبية فإنها بالفعل تشتمل على نواقص وثغرات في منتهى الخطورة تتطلب في نظر كل مراقب الشروع في تنفيذ إصلاحات عميقة ومستديمة. إن المظاهر البارزة والأبعاد المقلقة للأزمة التي يعيشها مجتمعنا باتت معروفة ومنتقدة على أوسع نطاق بما في ذلك بعض الأوساط القريبة من النظام أو البعيدة من المعارضة على الأقل. إن الأزمة اقتصادية تؤثر "بنيويا" على عوامل الإنتاج كما يلاحظ ذلك جليا في مجالات استراتيجية كالصيد البحري والزراعة وبشكل أكثر حدة في قطاع التنمية الحيوانية وكذلك في قطاعات المقاولات الصغيرة والمتوسطة التي يعتبر تطورها حيويا بالنسبة للتنمية المستديمة والتي تعاني اليوم بفعل ممارسات مخلة بحرية المبادرة وبالمنافسة الحرة وكذا باحترام القوانين الاقتصادية. إن الأزمة اجتماعية كذلك كما يجسد ذلك التفاوت المذهل بين حفنة متضائلة من الأثرياء وبين أغلبية متزايدة من المحرومين المنحدرين من الطبقات الشعبية ومما كان يعرف يوما ما بالطبقات الوسطي التي باتت تعاني من البطالة ومن غياب صارخ لضمان اجتماعي مقبول. لكن الأزمة مالية كذلك كما يتجسد ذلك فيما نشاهده في الآونة الأخيرة من ندرة غريبة في السيولة باتت مصدر اكتئاب وارتباك لدى أغلبية الفاعلين الاقتصاديين في ظل تدهور مضطرد لقيمة العملة الوطنية. الأزمة كذلك ثقافية وتربوية تتجسد في الوضعية المزرية لنظامنا التعليمي في كافة مراحله مما يقلل إلى حد كبير من شأن وتأثير حملة النظام لترقية الكتاب. ثم إن الأزمة أخلاقية تتجسد كل يوم في الاختلاس الدائم للأموال العمومية وفي انتشار الرشوة والممارسات الزبونية التي أفقدت المواطنين ثقتهم في الدولة وإدارتها وممثليها كما تتجسد في الانتهاكات المتكررة لكرامة المواطنين ولحرية التعبير لدى الصحافيين والعلماء والدعاة والأئمة من خلال حملات إعلامية حاقدة وخطيرة باسم حرب مزعومة ضد "الإرهاب" والإسلام الحركي. إن الأزمة سياسية كذلك ،بل هي سياسية بالدرجة الأولى، مما يفسر المأزق الذي يتخبط فيه المجتمع بكامله والنواقص بل وتفاهة الحلول المقترحة من طرف حكام البلاد. وهذا هو أبرز جوانب هذه الأزمة متعددة الأبعاد لأنه يؤثر على إدارة البلد و"قيادته". ب - الطبيعة الجوهرية للأزمة : أزمة حكم تبدو البلاد لأي مراقب موضوعي وكأنها تئن تحت وطأة سوء التسيير الصارخ والعام والمتعدد الأوجه. فعلى الصعيد السياسي تفتقر البلاد إلى الشرط الضروري في أي تسيير عصري وديمقراطي وهو اعتراف السلطة بالحقوق الأساسية للمعارضة والحوار الدائم والحقيقي بين كافة الفاعلين السياسيين في جو من الاحترام المتبادل. إن الحريات العامة مزعزعة إلى أقصى الحدود إذ يبقى التمتع بها مرهونا بالتقدير الذاتي لأصحاب السلطة. ومن ذلك تتأتي الممارسات غير المقبولة كالمصادرة غير المبررة للصحافة وحل الأحزاب السياسية واعتقال زعماء المعارضة وتدخل الإدارة السافر والأحادي في النشاط الحر لفعاليات المجتمع المدني على غرار ما نشاهده من تفكيك مفتعل لهيئة المحامين وما تتعرض له تلك الهيئة من فقدان لاستقلاليتها اتجاه الجهاز التنفيذي إضافة إلى رفض الاعتراف ببعض الجمعيات والمنظمات غير الحكومية وتهميش المجتمع المدني والغياب شبه التام لمفاوضات اجتماعية وكذلك احتكار المجال الإعلامي الرسمي (الإذاعة والتلفزيون) من طرف أصحاب السلطة الخ... ثم إن المؤسسات العمومية بما فيها تلك التي يفترض أنها تؤمن حسن التسيير كالعدالة قد أفرغت من أي محتوى وباتت نخضع لهيمنة جهاز تنفيذي متسلط فرض منذ زمن على البرلمان أن يكون مجرد غرفة تسجيل أو قاعة تصفيق ومباركة تماما كما كان الحال في عهد الحزب الواحد والأنظمة الاستثنائية .
إن كل هذه
العوامل من بين أخرى هي التي تسببت في الشلل السياسي والمؤسسي الذي يعكس حدة أزمة
التسيير العامة التي تتخبط فيها البلاد بما ينجر عنها من إخلال بوحدة الأمة ومما
يخيم علينا من مخاطر الانزلاق في دوامة الفوضى وتصفية الحسابات والروح الانتقامية
والأحقاد بمختلف أشكالها...
2 . التناوب السلمي والانتقال التوافقي هما الخياران الوحيدان إن المأزق الراهن يفرض على الجميع من فاعلين سياسيين ومجتمع مدني ومواطنين عاديين التساؤل البسيط والعميق الدلالات التالي: كيف نخرج من هذا الوضع؟ إن الرد الذي قدمه حزبنا اتحاد قوى التقدم والذي أصبح يستقطب أعدادا متزايدة من الموريتانيين بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية هو أن أي ميل إلى اللجوء للمواجهة والعنف لا يمكن أن يؤدي إلا إلى المأزق إلا أن استمرار الوضع الراهن بات كذلك مستحيلا بسبب تطلع المجموعة الوطنية بكاملها إلى دخول موريتانيا مرحلة جديدة تنهج خلالها مسلكا أكثر أمانا نحو السلم والتنمية المستديمة في ظل ديمقراطية مستقرة. إن تاريخ بلادنا وتجربة الشعوب الأخرى في الوقت الحالي لا يدعان لنا من خيار سوى تغيير سلمي يقتضى إنجازه على الوجه المطلوب المرور بفترة انتقالية تكرس لتنفيذ إصلاحات عميقة تكون موضع إجماع وطني أو تحظى على الأقل بتجاوب شعبي واسع. أ - مأزق العنف وضرورة تناوب سلمي تعد موريتانيا من الدول الأكثر عرضة للنزاعات المدمرة شأنها في ذلك شأن العديد من البلدان الإفريقية وخاصة دول منطقة الساحل. إن هذا الواقع الذي لا مراء فيه يستمد جذوره من طبيعة التناقضات القائمة في مجتمعنا والتي تغذي وتنعش أداء الفاعلين السياسيين وهي تناقضات تتطلب حلولا جذرية وقابلة للاستمرار في ذات الوقت الذي يفرض فيه طابعها ألاستعجالي معالجات ليست في متناول التسيير الأحادي والاستبدادي للنظام الحالي. إن هذه التناقضات متنوعة أخطرها ذات طابع طائفي وفئوي (قضية الحراطين والتنافس القبلي الجهوي) أو ذات طابع عرقي على خلفية التنافس الشرس بين نخب تتهافت على المناصب القيادية وعلى خلفية التصدع بين المجتمع والسلطة والمجموعات الاجتماعية المهيمنة. ضف إلى ذلك كله المحيط شبه الجهوي الذي تخيم عليه تهديدات خطيرة وقابلة للتفاقم في ظل انعدام حل للقضية الصحراوية التي قد تعقد حدتها في أي وقت بل وتعرقل علاقات حسن الجوار التي تجمعنا مع الآخرين وتتسبب من ثم في تطورات بالغة الخطورة على أمننا الخارجي واستقلالنا الوطني. إن هذا التهديد بالذات يجب أن يؤخذ مأخذ الجد نظرا كذلك لدخولنا المرتقب في الدائرة المغرية والمخيفة للدول المصدرة للبترول والغاز مما يثير مطامع خطيرة في احتياطياتنا البحرية المحتملة. إنها حلقة مأساوية بدأت خيوطها تلتئم أمام أعيننا الواحد تلو الآخر ويصعب التنبؤ بعواقبها. وفي ظل هذا الوضع المسموم ليس من شك في أن أي مواجهة عنيفة لا يمكن أن تؤدى إلى إصلاح سياسي ولا اقتصادي أو اجتماعي سليم ودائم. وقد بقيت النداءات المتكررة لقادة اتحاد قوى التقدم وهيئاته لحد الآن بمثابة وعظ طوباوي بل ونداء يائس في اتجاه السلطة بالنسبة للعديد من الفاعلين السياسيين والمواطنين العاديين إذ أنهم لم يكونوا يتصورون احتمال قيام اضطرا بات هدامة أو بالأحرى احتمال تعرضنا للحرب الأهلية. إلا أن أحداث 8 و 9 يونيو جاءت وللأسف بما تبعها من تداعيات سياسية واجتماعية لتؤكد صدق تحذيراتنا وتخوفاتنا ويخشى أن هذه الأحداث لم تكن سوى إنذار وربما تجربة أخيرة لما قد نشاهده على نطاق أوسع. ومهما يكن من أمر فإن حاجزا ما قد زال وبات الخطر قائما . ثم إن السرعة التي توالت بها الأحداث المذكورة وفراغ سلطة النظام ذي الهاجس الأمني الشديد بالإضافة إلى بداية مشاهد نهب بعض الإدارات وسرعة إضفاء الطابع القبلي على تلك الأحداث ومرتكبيها والرعب الذي امتلك الأفراد البسطاء كل ذلك بين أيضا تفاهة وعدم الجدوائية السياسية للجوء إلى العنف كأسلوب لحل الخلافات السياسية في مجتمعنا الحالي كما أكدت فشل التسيير الانفرادي والأمني للشأن العمومي. ب - التناوب السلمي وتوطيد الديمقراطية: طريق الانتقال التوافقي الهادئ على الرغم من بعض التطورات الملموسة مقارنة بالأنظمة الاستثنائية فإن الوضع العام للبلاد يفرض بإلحاح تغييرا نوعيا في المجالات الأساسية في حياة الأمة . ولم يعد هنالك شك في ضرورة أن يتم التناوب ولكن الأشكالية المطروحة هي متى وفي أي ظروف علما أنه لا جدوى من أي تناوب عنيف كطريق مأمون للتغيير. ويبقى أن نقول في هذا الصدد إن التناوب ليس في حد ذاته برنامجا وأن طبيعته قد تختلف جذريا بحسب الفترات والبلدان وبحسب الأوضاع. وبشكل عام ونظري يمكننا التمييز بين نوعين من التناوب بحسب الأهداف والظروف وهما: التناوب ألإقصائي والتناوب الاحتوائي. ففي الحالة الأولى يكون الفاعلون في منافسة تقليدية قوامها التقيد بالقوانين المعمول بها التي تخول الفائز في الانتخابات الانفراد بالسلطة كاملة مع إقصاء الخصم من ممارسة السلطة التي يجسدها الجهاز التنفيذي ممثلا في الحكومة . ومثال ذلك الديمقراطيات المستقرة في دول الغرب على الخصوص وقد شاهدنا تجسيدا لهذا النهج خلال الانتخابات الأخيرة في السنغال وفي عدة بلدان إفريقية. ويعد هذا النهج أحسن تجسيد للديمقراطية بالمفهوم التقليدي باعتبارها نظاما سياسيا مستقرا يكرس سيطرة مضبوطة للأغلبية التي أفرزتها صناديق الاقتراع . أما الأقلية فإنها باستثناء المشاركة في بعض الهيئات غير التنفيذية (البرلمان، المجالس المختلفة ) تبقى مستبعدة من الممارسة الفعلية للسلطة ومحصورة في دورها الهامشي المألوف في انتظار فرصتها أي في انتظار الانتخابات المقبلة. أما في التصور الثاني فإن العلاقة بين الفاعلين لا تتمثل في الإقصاء المتبادل بل في تعاون نسبي تحدد معالمه من طرف الأغلبية . وأحسن مثال على ذلك الحكومة التشاركية في جنوب أفريقيا ما بعد الابارتايد وكذلك الحكومة المالية التي أقيمت بعد نجاح آمادو توماني تورى في الانتخابات الأخيرة وهو الطريق الذي بدأ الرئيس عبد الله واد يحاول نهجه في السنغال بعد أن استفاد منه هو نفسه في ظل عدة حكومات في عهد الرئيس السابق عبدو جيوف. وهذا النهج بالذات هو الذي يوصى به كافة المسهلين والوسطاء والفرقاء باعتباره الحل السياسي المؤسسي الوحيد لاحتواء النزاعات المسلحة، كما نشاهد ذلك في كافة مناطق قارتنا. إنها الطريق الأقوم والأسلم من أجل إقامة أو تعزيز الديمقراطية خاصة في البلدان التي تخرج من فترات طويلة من الاستبداد والسلطة الانفرادية التي غالبا ما تخلف انقسامات وطنية واجتماعية عميقة. إن مثل هذا التسيير الجماعي يمكن من إنجاز إصلاحات تدريجية ترضى بها أغلبية الفاعلين وتعكس أكثر من غيرها تنوع الآراء في صفوف الشعب. إنه الإطار الأمثل من أجل تحقيق مصالحة وطنية عادلة وجدية بعد فترات طويلة من الانقسام والأزمات الحادة والاختلاف السياسي سبيلا لتفادي الهزات والتوتر الذي يأتي لا محالة من القيادة الأحادية والفردية ولو كانت ديمقراطية في مجتمع ما تزال فيه الثقافة الديمقراطية ضعيفة أو تعثرت وانحرفت بشكل عميق. إن المعارضة الجديدة التي انهزمت في الانتخابات والتي تمثل مع ذلك شريحة من الشعب لا تشعر في هذه الحالة بأنها فقدت كل شيء، إذ يتم إشراكها في حدود معينة، في تنفيذ سياسة جديدة تكون بالضرورة عندئذ موضع إجماع وطني واسع. إن ذلك هو ثمن الاستقرار الديمقراطي الذي هو في جوهره وفي بعده السياسي والقانوني بمثابة إجماع أو تسوية وطنية من أجل تسيير جماعي للبيت المشترك والشرط الوحيد في ذلك أن تقبل المعارضة الوضع الجديد والتغيير الذي يجسد إرادة الشعب. إن هذا التوجه هو الذي اعتمدته استراتيجية اتحاد قوى التقدم وتفاوضت بشأنه وجسده الاتفاق القاضي بإنشاء التحالف من أجل تناوب سلمي وهو الاتفاق المبرم بين الرئيس محمد خون ولد هيداله والرئيس محمد ولد مولود والذي صادق عليه مجلسنا الوطني خلال دورته الأخيرة. ومن أجل أن تتجسد تلك المقاربة في تجاوب واسع من جماهير الشعب يتوجه نجاح ساحق في الانتخابات فلابد أن نقبل ونصرح علنا بأن الحكومة الجديدة التي ستتمخض عنها الانتخابات ستضم أوسع طيف ممكن من الفاعلين في المعارضة الديمقراطية ومن المجتمع المدني وأنها ستكون كذلك مفتوحة أمام المعارضة الجديدة وتسمح لها بمشاركة مسئولة على أساس البرنامج الانتخابي لقوى التغيير وعلى أساس المكاسب التي تحققت على يد الفريق السابق. إن الإصلاحات التي سيتم الشروع في تنفيذها في جو من الهدوء والتشاور والإجماع والواقعية ستكون قابلة للثبات ولكسب الاحترام طيلة فترات انتقالية أكثر مما كانت ستحظى به لو كانت مفروضة من جانب واحد حتى وإن كان ذلك من طرف الأغلبية.
تلك هي قناعتنا
الراسخة والأمينة في اتحاد قوى التقدم.
3 . عناصر تقييم لشروط وفرص نجاح التناوب السلمي إن التغيير الذي باتت تتطلع إليه أغلبيته شعبنا بما في ذلك شرائح من ناخبي الحزب الجمهوري وحتى بعض أقطاب النظام السياسي لن يتسنى إنجازه على الشكل الأمثل الذي يرضى الجميع إلا إذا تم تأمين جملة من الشروط المسبقة ذات الصلة بالعلاقات مع النظام الحاكم وإذا تمكنت المعارضة على اختلاف مكوناتها من بلورة خط توافق شامل توجهه استراتيجية انتخابية محكمة وذكية ومنفتحة يتوجه نجاح يستحبب لمصالح وتطلعات أكبر عدد من الموريتانيين. أ - إقامة جو من الحوار والتنافس الشريف بين مختلف الفاعلين في الانتخابات يسود الجميع اعتقاد راسخ بضرورة قيام حوار وطني ديمقراطي يفتح آفاقا جدية لتهدئة وترقية المجال السياسي دون الزج بموريتانيا في تجربة المؤتمرات الوطنية الإفريقية العقيمة التي جربت وتبين عدم جدوائيتها كما يمنح فرصة حقيقة لوثبة جماعية من أجل تأكيد تمسك الجميع بروح المسؤولية في وجه حدث بحجم وحساسية هذه الانتخابات الرئاسية. إن جو الحوار لا ينبغي أن يشمل السلطة والمعارضة فحسب بل كذلك كافة الفاعلين فيما بينهم فتجربة بعض البلدان تبين ضرورة أن يقبل الزعماء السياسيون وخاصة المرشحون مبدأ اللقاء والتشاور وأن تعملوا على إقامة قواعد حسن سلوك ليس فقط خلال الانتخابات بل كذلك عند إعلان النتائج وإذا اقتضى الأمر عند تسلم مقاليد الأمور وتنصيب السلطات الجديدة. ويتوقف مثل هذا الوفاق الأكثر ملاءمة لما تقتضيه اللياقة الديمقراطية والإنصاف على أن يتم التفاوض المسبق من أجل تحديد الشروط والقواعد العامة التي تكفل قيام منافسة شفافة وعادلة من حيث حياد الإدارة واستخدام وسائل الدولة الخ ... إن التزام رئيس الدولة لرئيس اتحاد قوى التقدم بالسهر على شفافية الانتخابات يجب أن يؤخذ مأخذ الجد وأن يتجسد في أقرب الآجال في إشارات واضحة وقرارات صارمة بالتشاور مع كافة الفرقاء السياسيين كما يتعين العمل على صيانة وتغرير المكاسب النفسية والهيكلية للانتخابات البلدية والتشريعية الأخيرة من خلال تجسيدها في نصوص مع توفير ضمانات فعلية تخول كافة الفاعلين والمواطنين إمكانية اللجوء الإداري والقضائي السريع عند الحاجة . وسيتعلق الأمر في وضعيتنا الحالية بالعمل في أقرب الآجال على توسيع جو الحوار الودي الذي يسود بين رئيس الدولة والرئيس محمد ولد مولود مع التخلص من الأحكام المسبقة والتزام الجميع بموقف جمهوري قوامه الانفتاح والاحترام المتبادل. لابد من العمل على تهدئة الأجواء في فترة ما قبل الانتخابات وتحسين العلاقات حتى يتسنى الاتفاق حول قواعد اللعبة الانتخابية التي يحفها العديد من المخاطر هذه السنة. على المدى القصير سيكون مستقبل أمتنا مرهونا بالاحترام المتبادل الذي يجب أن يسود علاقات الجميع قبل وبعد هذا الاقتراع الذي سنكون خلاله على حافة الهاوية. لنستحضر ونتأمل تجربة مدغشقر ولنفكر في كوت دي فوار وفي تلك البلدان المنكوبة في قارتنا التي زج بها في ويلات الحروب الأهلية الانتخابية نتيجة رفض المساومة والتصلب والحرص على عدم إشراك الغير في السلطة. إن علينا أن لا نفقد الأمل في خلق ظروف تتصالح فيها الأمة مع ذاتها وتصنع مصيرها بمشاركة كافة أولادها في جو من الطمأنينة والهدوء. ب - تنفيذ استراتيجية انتخابية منفتحة لقوى التغيير إن نجاح التناوب السلمي يتوقف ليس على الحصول على أغلبية أصوات ناخبي المعارضة فحسب بل كذلك على أن ننتزع من النظام الحاكم على أقل تقدير جزءا من ناخبيه التقليديين أو حلفائه المقربين. وإن هذا المعطى الجوهري يتطلب منهجية محكمة واختيارا دقيقا من حيث الترشح. من هذه الروح انطلقت استراتيجية اتحاد قوى التقدم من حيث البرنامج الانتخابي ودعم المرشح الموحد للمعارضة أو على الأقل دعم مرشح تلتف حوله أغلبية القوى السياسية من خلال دعمها لترشح السيد محمد خون ولد هيداله وإنشاء التحالف من أجل تناوب سلمي. وبالرغم من هذه الجهود أخفقت المعارضة في الاتفاق على مرشح موحد من داخل الأحزاب وكان ذلك هو الحل الأمثل لعدة اعتبارات حيث أن الثنائية التي كانت ستنتج عن ذلك ستكون ذات صدى أوسع في تعبئة ناخبي المعارضة الذين ينتمون في غالبيتهم لنفس الأوساط الشعبية أو شبه الشعبية مع قدرته على استقطاب المترددين في الأوساط التقليدية الولاء للنظام لصالح ذلك الترشح. إن هذا النهج هو الأقرب للانتخابات الرئاسية الأولى التي ما تزال ماثلة في أذهان الكثير من الأوساط الشعبية. وعلى العكس من ذلك فإن التفرقة تخدم بطبيعة الحال مرشح السلطة وتقلل من حظوظ المعارضة بشكل عام. إن هذه الاعتبارات بديهية للجميع. ولكن هذا الخيار كان من شأنه فوق ذلك كله أن يسهل اللعبة السياسية والتحكم فيها عند حدوث اختلافات دون أن تتعدد مراكز القرار السياسي وهو احتمال لا يمكن إقصاؤه. وبما أن أحزاب المعارضة لم تتمكن من الاتفاق على مثل هذا الترشح فقد كان من الأولى أن تفكر معا في دعم مرشح خارجي لأن ذلك ما يمليه التاريخ السياسي القريب إذ نتذكر كلنا ترشيح السيد أحمد ولد داداه خلال أولى انتخابات رئاسية في العهد شبه الديمقراطي. إن الفرصة ما تزال سانحة أمام الجمع للعودة إلى الحكمة والمنطق السياسي في ظروف ليست مجالا لمنافسة حرة بين مختلف الفعاليات السياسية في البلاد بقدر ما هي انتخابات تفضي إلى مرحلة انتقالية. ومهما يكن من أمر فإن التحليل الموضوعي يبين أن لدينا اليوم حظوظا حقيقية في تحقيق التناوب لم تتوفر في الاقتراعلت الرئاسية السابقة. لقد ارتبك النظام على إثر أحداث 8 يونيو وبدل أن يتخذ مبادرات على مستوى الأزمة باعتماد سياسة وفاق وطنية من شأنها أن تعيد للشعب الثقة الضرورية للخروج من المأزق الحالي فإنه يتمادى في منطقه المألوفة في التسيير الانفرادي والعمودي للشؤون العامة وذلك على الرغم مما أكده رئيس الدولة من عزمه على مواصلة الحوار مع اتحاد قوى التقدم خلال المقابلة الأخيرة التي خص بها قائد هذا الحزب وبمبادرة من رئيس الجمهورية . إن ارتباك النظام الحاكم يتجلى في القرارات التي عمد إليها غداة الأحداث المذكورة: التسرع في التخلص من رموز النظام والتعيينات غير الموفقة للوزراء الذين يعترف أنهم المسئولون عن حياد الإدارة خصوصا وزير الداخلية كمسئول عن حملة الحزب الحاكم على مستوى بعض الدوائر الانتخابية التي جعلت تحت وصاية مشبوهة للاتحادية العامة لأرباب العمل لصالح مرشح النظام في انتهاك صارخ للنصوص بالإضافة إلى الاستخدام غير القانوني لخاتم الدولة ووثائقها الرمزية لإعلان ترشح هذا الأخير وكذلك الابتزاز الذي يمارس على الأطر وتجنيدهم الإجباري في الرحلات الانتخابية لمرشح السلطة الذي تحول إلى مرشح دولة. ومن الواضح أن البشاعة السياسية والقانونية لتلك الهفوات تقلص آمال أصحاب السلطة في أن يروا مرشحهم يتجاوز الشوط الأول في هذه الانتخابات وأن يفوز بالشوط الثاني المحتمل. إن القلق واضح على كافة أوساط الحزب الدولة التي باتت تائهة أمام التطورات التي شهدتها الساحة الوطنية خلال الأسابيع الأخيرة وعاجزة عن التكيف مع المعطيات السياسية الجديدة. وما من شك في أن شرائح واسعة من ناخبي النظام الحاكم ستنضم إلى معسكر التغيير الذي يلتف حول التحالف من أجل تناوب سلمي ومرشحه علما أن هذا الأخير تعهد أمام شعبه وأمام الرأي العام الدولي بالالتزامات الجوهرية التي تناسب هذه الظرفية الدقيقة في تاريخ بلادنا: بأن يكون رجل التغيير الاجماعي والنظام الديمقراطي والتناوب السلمي الاحتوائي ورجل تقدم وتصالح أمتنا.
لعله فجر جديد
يطل على موريتانيا.
العولمة والحقوق الاجتماعية والديمقراطية .1 تــــمهـــــــيد: تتصدر ظاهرة العولمة الاهتمامات وتطغى على الساحة حاليا وهي موضع مشادات واختلافات متعددة. فمنذ مظاهرات "سياتل" خلال مؤتمر منظمة التجارة العالمية في ديسمبر 1999 إلى الاضطرابات التي واكبت قمة مجموعة الدول الصناعية الثمانية في جنوا، ظلت العولمة دائما في صميم اهتمامات وأحاديث الناس. ويلاحظ المتتبع للتعليقات على الأحداث في وقتنا الحالي الاستخدام المتكرر لعبارات "عولمة الاقتصاد" و"المجموعات المناهضة للعولمة" و"انعكاسات العولمة على حياة سكان المعمورة" إلخ... فما هي العولمة؟ غالبا ما تركز محاولات وصف أو تعريف العولمة على جانبين رئيسين هما: * إلغاء الحواجز التجارية * تحرير أسواق المال. وهذا ما يؤكد كون عولمة الاقتصاد التي يفترض أنها انطلقت في العقد الأخير من القرن 20 تشكل الحدث العالمي الأبرز. إلا أن المتتبع لتطور الاقتصاد العالمي منذ الحرب العالمية الأولى يلاحظ أن الظاهرتين المذكورتين غير جديدتين ولا يمكن ربطهما بنهاية القرن العشرين. والواقع أن ظاهرة العولمة كما تشاهدها اليوم ذات أبعاد متشعبة وأغلب الظن أننا لم نحط بعد بملامحها ولا بما تخبئه من انعكاسات على مستقبل البشرية. الأمر يتعلق إذن بمسلسل لا يزال متواصلا وترجع بدايته إلى ما قبل القرن العشرين . فمنذ أن قام تطور الاقتصاد الرأسمالي على تجاوز بل وتحطيم الأطر الضيقة للحدود الإقطاعية وعلى إنشاء الدول ومنذ أن كرست السفن التجارية ربط القارات ببعضها ومكنت من تطوير المبادلات عبر المحيطات مما أقحم كل مناطق المعمورة في إطار التجارة العالمية، فإن ذلك كان بمثابة الانطلاق الفعلي لمسلسل العولمة. وإذا كانت هذه الظاهرة لم تطغ على اهتمامات وأحاديث الناس إلا في نهاية القرن العشرين فذلك لأنها باتت العامل الأبرز الذي يحكم العلاقات في عالمنا وخاصة العلاقات الاقتصادية، وقد تسنى هدا التحول بفعل التطورات التكنولوجية السريعة والكبيرة التي مكنت من تجاوز العقبات التي كانت تعيق نمو المبادلات. وقد شملت تلك التطورات الجوهرية مجالين رئيسين هما: * النقل بشكل عام والنقل الجوى على وجه الخصوص الذي يمكن الآن من شحن المواد بمختلف أشكالها بما فيها أدوات الإنتاج (المصانع) إلى أي نقطة من المعمورة وذلك من أجل انتقاء مواقع الإنتاج على أساس ما تتيحه من تخفيف للتكاليف أو على أساس قربها من الأسواق التي تصدر لها المواد. * تكنولوجيات الإعلام والاتصال الجديدة وخصوصا منها الشبكات المعلوماتية والانترنت التي أصبحت تتيح إنجاز معاملات مالية منتظمة بين مختلف أسواق المال العالمية. أضف إلى ذلك ما نشاهده من نمو مضطرد للتجارة الإلكترونية عبر شبكات المعلوماتية . إن العولمة في جوهرها هي مسلسل يهدف إلى توحيد العالم في كافة الميادين وخاصة في الميادين الاقتصادية وهو بالتالي يبدو كحتمية قائمة على التطورات العلمية والتكنولوجية المتلاحقة التي شهدت دفعة نوعية وتحولات جذرية في نهاية القرن الأخير.
.2 التصورات المتداولة حول ظاهرة العولمة: هنالك عدة تصورات مختلفة بشأن مسلسل العولمة: * التصور الأول: هو تصور الليبرالية الجديدة الذي يقوم على حرية المبادلات وينبني على فرضية مفادها أن السوق يؤمن أهم فرص النمو الاقتصادي ويضمن توزيع الثروات. وإن هذه النظرية التي ترفض أي تدخل للدولة أو نمو للقطاع العمومي قد تأثرت إلى حد كبير بفعل الأزمة المالية الدولية خلال سنتي 1997 و 1998 الناجمة عن إلغاء الرقابة على إجراءات الاستثمار وعلى المبادلات المالية على الصعيد الدولي. ويهدف هذا التصور أساسا إلى تمهيد الطريق أمام كبريات الشركات العالمية من خلال عولمة متحررة من كافة القيود ومن رقابة الحكومات الوطنية. كما أن هذا التصور هو الذي تقوم عليه برامج الإصلاح الهيكلي التي يعتمدها صندوق النقد والبنك الدوليين * التصور الثاني: هو المعروف بمناهضة العولمة ويركز على معاناة ضحايا العولمة ويتناول ظاهرة العولمة نفسها أكثر مما يتطرق للسياسة التي تعمل على تكريس هذه العولمة بشكل يخدم مصالح الشركات العالمية الكبرى التي همها الأول والوحيد هو تحقيق الأرباح. وإذا كان أصحاب هذه النظرية لم يكونوا أكثرية في صفوف المتظاهرين في "سياتل" و"جنوا" فلقد كان لهم مع ذلك حضور مميز. * التصور الثالث: يطالب بعولمة تسعى إلى تحقيق نمو متوازن لصالح البشرية وتوزيع للثروات مع الدفاع عن الحقوق الاجتماعية للعمال وتطويرها والعمل من أجل القضاء على الفقر وتكريس السلام. ويرفض هذا التصور عولمة لا تسعى إلا لتحقيق الأرباح لصالح الشركات العالمية مما يساهم في اتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء ويوطد هيمنة الدول القوية. ويتجسد هذا التصور من خلال المنظمات النقابية الوطنية والدولية كالمؤتمر الدولي للنقابات الحرة والمنظمة الدولية للشغل التي قامت بنشاطات متعددة للدفاع عن الحقوق الاجتماعية للعمال والمعايير الدولية للشغل في اتجاه الحكومات من خلال تحسيسها وكذلك خلال المفاوضات التي تجرى في إطار منظمة التجارة العالمية أو الوكالة متعددة الأطراف الاستثمار. وقد تبنت بعض حكومات الدول النامية هذا التصور ودافعت عنه بشكل خجول خلال اللقاءات الدولية المذكورة أعلاه. . .3العولمة والحقوق الاجتماعية: من أجل الإحاطة بإشكالية انعكاسات العولمة على حقوق العمال بوجه عام وحقوقهم الاجتماعية على وجه الخصوص وكذلك بالمعايير الدولية للشغل لابد أولا أن نبين المكانة التي تحتلها علاقة الشغل بالإنتاج ضمن مسلسل العولمة ، ذلك أن عولمة الإنتاج تشكل أحد الجوانب المحورية في عولمة الاقتصاد. والمعروف أنه لغاية سنة 1914 (الحرب العالمية الأولى) كان عامل الشغل ينتقل نحو مراكز الإنتاج الكبيرة في إطار الهجرات المتتالية كما أن الحديث في الفترة اللاحقة من القرن العشرين ولغاية السبعينات كان عن التقسيم الدولي للعمل إلا أننا اليوم نشاهد ظاهرة مغايرة تماما حيث لم يعد الحديث عن التقسيم الدولي للعمل ولاعن وحدات الإنتاج التي يمكن نقلها إلى أي نقطة من المعمورة بما تتطلبه من معدات تضييع وإنتاج بغية مضاعفة الربح بالاقتراب من الأسواق المستهدفة أو اختيار مواقع تتوفر فيها اليد العاملة الرخيصة نتيجة لعدم التقيد بالمعايير والقوانين الدولية للشغل. أما الآن فليس عامل الشغل هو الذي ينتقل على نطاق واسع كما كان في بداية القرن 20 وإنما عامل رأس المال وهذا ما يفسر تقلص الهجرة في اتجاه دول الشمال (الصناعية) مقارنة مع بداية القرن . ومن هنا، من هذا النمط أو هذا الوجه من وجوه العولمة عولمة عامل الشغل تتأتي التأثيرات الكبيرة لعولمة الاقتصاد على الحقوق الاجتماعية للعمال. والجدير بالذكر هنا أن تهافت الشركات العالمية الكبرى وسعيها المستميت إلى تحقيق الأرباح يؤثر سلبا على العمال في الدول النامية وفي الدول الصناعية كما يسهم كذلك في غرس الحقد بينهم. فبالنسبة للدول النامية تتسبب برامج الإصلاح الهيكلي الموضوعة من طرف البنك وصندوق النقد الدوليين في فصل أعداد كبيرة من العمال وفي إبقاء الروابط في مستويات متدنية بالإضافة إلى الخصخصة التي لا تخدم سوى مصالح الشركات العالمية الكبرى. وتتمثل النتيجة المباشرة لتلك السياسات في الفقر الذي تؤول إليه أغلبية العمال . ثم إن الاتفاقيات موضع مفاوضات منظمة التجارة العالمية تهدف أساسا إلى تشجيع المبادلات التجارية الدولية وتقوم على المنافسة التي تخدم القوى في إطار ضبطها بقانون السوق . وبطبيعة الحال فإن تلك القواعد في الأغلب الأعم متنافية مع الحقوق الاجتماعية للعمال والشعوب بشكل عام .
.4العولمة والديمقراطية: في مجال الديمقراطية فإن العولمة بوصفها ظاهرة ناتجة عن التقدم العلمي والتقني وعن تطور البشرية بشكل عام تفتح الطريق أمام فرص كبيرة لتكريس الديمقراطية. فظاهرة العولمة تقرب الشعوب من بعضها وتلغى الحدود ومن ثم تشجع التطور نحو الديمقراطية خصوصا من خلال حرية تنقل أكبر للأفراد والبضائع؛ كما أن تطور تكنولوجيات الإعلام والاتصال الحديثة الذي هو أحد أهم جوانب العولمة يتيح فرصا واسعة للإعلام التبادل والاتصال بين الشعوب؛ وأخيرا فإن وجود منظمات دولية مختلفة كمنظمة الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية ووكالة الاستثمار متعددة الأطراف والمنظمات النقابية الدولية والمنظمات غير الحكومية وتجمعات المنتخبين من كل مناطق العالم بالرغم مما تتعرض له من ضغوط ورقابة من لدن الدول القوية تتيح آفاقا واسعة للتشاور بين حكومات وشعوب العالم . إلا أن هذه الإمكانيات المعتبرة التي تشتمل عيها ظاهرة العولمة تبقى مشلولة لأن هذه الظاهرة موجهة بالأساس من طرف حكومات الدول الصناعية وأوصياؤها أصحاب الشركات الكبرى الذين يسعون للمحافظة على هيمنتهم الحالية على العالم، والتي تتجسد من خلال الهيمنة على منظمة الأمم المتحدة على الخصوص من خلال نظام الفيتو غير العادل بالإضافة إلى الضغوط المتنوعة التي تمارس على الدول الأعضاء؛ * الهيمنة على النظام المالي من خلال التسيير الأحادي للبنك وصندوق النقد الدوليين * الرقابة على منظمة التجارة العالمية * إنشاء مجموعة الدول الثمانية التي تمارس من خلالها الدول الصناعية نفوذها على العالم خارجا عن المنظمات الدولية رغم هيمنتها على تلك المنظمات. هذا النفوذ وهذه الهيمنة هي التي تفسر إلى حد كبير نقمة الشعوب وتحفظاتها من ظاهرة العولمة بوصفها الضحية الأولى للتسيير الحالي للعولمة من قبل الدول الصناعية . الخلاصة: إن ظاهرة العولمة التي تجرى أمام أعيننا حاليا تجعل إشكاليتي الحقوق الاجتماعية للعمال والديمقراطية في طليعة الاهتمامات وهما قضيتان مرتبطتان إلى حد كبير. ثم إن السؤال القاتل : كيف سيتم تسيير العولمة بوصفها حتمية يبقى سؤالا جوهريا شئنا ذلك أم أبينا. فهل ستبقى العولمة تسير وتوجه لخدمة المصالح الأنانية لمن يهيمنون على العالم اليوم أم أنها ستتحول لتكون فعلا في خدمة كافة بلدان وشعوب العالم تخدم إسعاد الجميع وتخدم الديمقراطية؟ هنا يكمن السؤال الجوهري. وإن نجاح الخيار الأخير يحظى بفرص لا يستهان بها لأنه أكثر انسجاما مع التطور الطبيعي للظاهرة نفسها . ولكن هذه الحظوظ لن يكتب لها أن ترى النور دون فهم أعمق لمسلسل العولمة وتنسيق أنجع لجهود الشعوب من خلال منظماتها المختلفة ودون الدفاع عن مصالحها وأخذها في الحسبان من طريق ممثليها لدى المنظمات التي لا تخضع لهيمنة مطلقة من الدول الصناعية تسخرها لخدمة مصالح الشركات الكبرى. الحسن سومارى |
|