|
| |||||||||||
|
حتى لا يعود هذا المنكب البرزخي بخفي حنين -1- هل عاد المنكب البرزخي بخفي حنين من الأربعة عشر شهرا الماضية؟ هل سيكون قدر هذا البلد سيزيفيا إلى هذه الدرجة وأن لا تتمخض "كدية جلده" إلا عن أفاعي تلتهم بذور الأمل القليلة التي زرعها المواطن بشق الأنفس عبر الأشهر الماضية؟ نعم، عادت الأسئلة المؤلمة إلى الواجهة ولم يعد واضحا إلى أين تسير المرحلة الانتقالية. انتقال من ماذا إلى ماذا؟ فيم يفكر المجلس العسكري وهل تراجع عن تعهداته؟ هل ظلت له منذ البداية نوايا مخفية؟ ليس ثمة فيما يبدو إجابة حاسمة إلى حد الساعة ولكن الأيام القليلة الماضية أثبتت أن التساؤل قد أصبح مطروحا ومشروعا وأن اللحظات الحالية موجعة ومقلقة لأن مصير البلد برمتة مرتبط بما يتكشف أو سيتكشف خلف التساؤلات الحالية. وإذا كانت المسؤولية الأخلاقية والسياسية اقتضت وظلت تقتضي خلال الأشهر المنبتة الحرص على بقاء أعلى حد ممكن من الإجماع الوطني غير المسبوق الذي تلا الثالث من أغسطس فإن المسؤولية الآن تفرض الوقوف بحزم أمام أي مؤامرة مبيتة لإطفاء بصيص الأمل الذي ما زال يمثل أو يكاد يمثل المكسب الوحيد الذي حمله ما سمي بالمسلسل الانتقالي. -2- كنا نشعر بكثير من الحرج تجاه الإخوة العرب والمراقبين الأجانب الذين ظلوا يشككون في مشروعية تفاؤلنا بالتغيير رغم أن إيجابيتنا ظلت نسبية ومشروطة بتحقيق المجلس العسكري لتعهداته هل أصابنا ما يمكن تسميته بالتعبير الخلدوني "بسذاجة البداوة الأولى"؟ الحقيقة أنا كنا كما كان غيرنا نتذكر ما حدث عندنا وعند غيرنا في ظروف وسياقات كثيرة، ونتذكر أن الانقلابات العسكرية مرادفة مرارا لوعود عرقوبية وأسماء "تسمو" دون أي مسميات، مرادفة للحظة نشوة غالبا ما تتلوها حقبة الصدمة. ولكن السياق والظرف، ولكن المعطى المحلي والدولي، ولكن نمط التعامل والتعاطي رغم ما شابهما بل وعاقهما، كلها جعلتنا نحاول أن نرى في المرحلة الانتقالية المثال الذي قد يخرج على القاعدة، والاستثناء الذي لا يؤكدها ضرورة بل قد يهدمها. كنا نتمنى أن نطوي الزمن حتى نصل آخر مطافات المرحلة الانتقالية، نتمنى أن لا يكون الثالث من أغسطس انقلابا بل قطيعة وأن يعني المسلسل الانتقالي عبورا فعليا للبلد إلى بر الأمان، كنا نتمنى أن نرى المجلس قد برهن على مصداقية بطولته أي التزم بتعهداته وأثبت سلامة طويته وبراءة ذمته أيا كانت مواقع أعضائه في النظام المنهار. لو قدر لذلك أن يكون فسيدرك العالم أنه لا يمكن اختزال الصحراء في "المكر والأفاعي وقطاع الطرق" وأن لأهل الصحراء أو بعضهم - رغم القحط والقهر- كبرياء لا تنكسر و أنهم عكسا للمتداول قادرون على دحر شهوة السلطة وسلطة الشهوة. هل كنا فقط نتمنى في بلد يعرف فيه الداني والقاصي أن "الأماني والأحلام تضليل"؟ لقد كانت حقيقة فرصة تاريخية –أو هكذا اعتقدنا ها- فهل ضاعت كما ضاع "حلي على خالصة"؟ السؤال أكثر من مطروح. -3- على علاته الجمة فقد نجح المسلسل الذي انطلق منذ الثالث من أغسطس في منح الموريتانيين أملا حقيقيا أيا كانت مآخذهم الكثيرة عليه. الشعور بكرامة مستعادة وبهيبة مستردة قد طرد إلى الهامش تساؤلات مركزية معلقة. ورغم أن ظروف المواطن البالغة السوء لم تتحسن وأن الفساد لم يزل مستشريا وأوجهه تعيث في الأرض مزهوة وأن الحكومة مؤلفة في جلها ممن نهبوا خيراته واستحلوا كرامته إلا أنه علق آماله على التحول الموعود مهما استبطأه. الشهور تتالت وظل التغيير محض ظاهرة صوتية أو يكاد. الأسعار تزداد ارتفاعا. والتربية والصحة والعدالة قطاعات ظلت خارج ميدان اهتمام حكومة ما انفكت تحتكر الضرع والزرع وتبتز الأعناق بإمساك الأرزاق. هل بعد كل ما داعبه هذا الشعب المغدور من رجاء مشروع في ظل الوعود والعهود أن لا يجد في أقصى مسيره سوى سراب بقيعة ينكشف فيها أن الأمر على عادة أهل المنكب لم يكن يعدو عرضا من عروض أصحاب الشعوذة وبائعي الطلاسم وأن الأمل كان في الحقيقة ألما والتفاؤل تشاؤما والحلم وهما والرؤيا كابوسا؟ سؤال يطرح نفسه بإلحاح. -4- اليوم لا يحق لنا أن نقول إن التفاؤل انقلب تشاؤما ولكنه على الأقل صار –بلغة أميل حبيبي- تساؤلا فلنتدارك الركب إن كان بعد في الأحايين حين مناص. بدي ولد ابنو الشعب 8511 الخدعة الكبرى تناقصت الضوضاء التي أثارها انقلاب الثالث من أغسطس شيئا فشيئا –وما كان لها إلا أن تتناقص- حتى لم نعد نسمع لها أي همس! توقفت شيئا فشيئا الحركية التي أثارها هذا الانقلاب حتى لم نعد نشعر لها بأي وجود! خرس الجميع إذا يستوي في ذلك المهللون لهذا الحدث والناقمون عليه بل والانقلابيون أنفسهم! أين راحت عنتريات المجلس العسكري وحكومته الانتقالية؟ أين ذاب حماس المبشرين بعهد جديد فيه يغاث الناس وفيه يعصرون؟ أين اختفت جلسات التشاور والمؤتمرات الصحفية والفاعلون الأساسيون والخطب المكسرة والملطخة وأحاديث الإصلاح؟ أهي العطلة وما تفرضه من هدوء لينعم سراة القوم بالطمأنينة؟ أهو اليأس من وضع عصي على الهواة والمتطفلين؟ أم هو الإفلاس ما يدفعهم إلى التراجع للبحث عن أقنعة أخرى تصلح للمعارك القادمة؟ هكذا يتساءل الرأي العام اليوم وقد بدأ يلتقط أنفاسه بعد سنة من الجري خلف سراب تغيير موعود كلما اقترب منه كلما أدركه على حقيقته. لقد سحب الفشل أذياله فوق كل أمل مخدوع حتى أنه لم يترك أي ركن قصي في أبعد زاوية إلا وترك بصماته فوقه شاهدة على أكبر خدعة تعرض لها شعبنا في تاريخه المعاصر. ولم يعد هناك من هو مستعد للمكابرة أكثر بعد أن جفت منابع حبر غلاة الوصوليين وخويت جيوب أرباب الخطابة كما خويت خزائن الأرض. منذ سنة إذا والموريتانيون يغطون في نوم عميق! كان ثقل الواقع يضغط عليهم لدرجة أنهم تصوروه قضاء وقدرا لا مفر منه ولا انفكاك، تصوروه حملا أبديا، عقوبة إلهية على تقصيرهم فاستكانوا له أملا ربما في الثواب في حياتهم الأخرى. لم يستطيعوا تقبل فكرة الخلاص من هذا الواقع بكل هذه السهولة والانسيابية! كان الأمر أكبر من صدمة لم يجدوا الفرصة للتفكير في تداعياتها فضاعوا في إغماءة طويلة لم تستطع كوابيس الانتقال ومسرحياته الصاخبة في أيام عزه إخراجهم منها. لم يدققوا إذا بما فيه الكفاية في القادمين الجدد! ليست لديهم تقاليد جمهورية تضع خطوطا حمراء هنا وهناك في ذاكرتهم. كل متغلب صاحب شوكة يمكن أن يصبح متى وكيف شاء قائدا لهم يستوي في ذلك عتاة أصحاب السوابق ممن مردو على قمع الشعب ونهب خيراته لعقود طويلة وبشكل بشع ويستوي في تقبل ذلك قادة الرأي وبسطاء المواطنين. ومع ذلك يزعمون أنهم يجسدون الديمقراطية في أبهى صورها وأنهم منتقلون إليها –أو منقولون- في أقل من سنة باعتبارهم مثالا للمنطقة بل وللعالم أجمع! هاهي المرحلة الانتقالية تشرف على نهايتها والآفاق التي تحدث عنها الجميع ما تزال ملبدة بمختلف أشكال الغيوم. غموض يلف كل شيء. الفاعلون الأساسيين لم يعد لديهم وقت للاهتمام بما عدا الاستحقاقات. المجلس العسكري يناور بحثا عن مخرج لنفسه. الإدارة لاهية في عاداتها وتقاليدها. المواطن مكسور الخاطر تطحنه الأسعار والأوزار. وكأنه غموض مقصود يراد له أن يكون غطاء لتمرير شيء ما. أو كأنه شيء من الهدوء الذي يسبق العاصفة؟ نتهامس جميعا بشأن مدى صدق المجلس العسكري وهل هناك أمل في أن تتحكم حكومته في رغباتها وتتحلى بالحياد المعلن عنه. نظل نثرثر حول الرئيس المنتظر لبلادنا وهل هناك من يمكن أن يشغل هذا المنصب وهل سيترك العسكريون رئيسا قويا يأتي بعدهم؟ نسخر من اللجنة المستقلة للانتخابات وممثلياتها المحلية وضعفهم أمام الإدارة والطريقة التي اكتتبوا بها وقصة ميثاق الشرف الذي تعرضه. نتساءل عن وجهة برجوازية القطاع الخاص وحول دورهم الحاسم في شراء الضمائر ثم عن أي الجهات أحق بأن يكون الرئيس القادم منها. ندرك جميعا وضعية العدالة التي تتدهور يوما بعد يوم واستمرار اختطاف المواطنين من طرف قوات الأمن، بل والتآمر على المواطنين وإيداعهم السجن إرضاء لحسابات شخصية أو قبلية تافهة. وفي كل مرة تجرى فيها مسابقة لاكتتاب موظفين أو يتم فيها تعيين موظفين مباشرة نكتشف عمق الأزمة الأخلاقية التي تعصف ب "مصلحينا" ومدى اتساع الهوة بين الحماس اللفظي والممارسة العملية لهرم إداري يفقد الكفاءات في مستوياته العليا وتضمر إرادة الإصلاح لدى مستوياته الدنيا. بالنسبة لنا تجسد وضعية النقل في العاصمة أو على الأصح حالة تنظيم المرور في شوارعها الحالة العامة في البلاد: فوضى عارمة، ميل مرضي إلى احتقار القانون، تسابق محموم لاقتناص أية فرصة، وجود شكلي للرقابة هدفه تحقيق المآرب الشخصية، انسداد هنا وانفراج هناك، أرصفة مدمرة وبيئة ملوثة وضحايا يسقطون يوميا... وكل ذلك يعني أن المرحلة الانتقالية فشلت في إعداد الظروف الملائمة لتغيير ديمقراطي يخدم مصلحة الشعب ويعيد إليه الثقة في نفسه.. وهل كان لها إلا أن تفشل؟
لقد كانت الإشارات قوية منذ البداية إلى أن الأمر لا يعدو كونه مغامرة قادها بعض الضباط لحماية جلودهم ومناصبهم غير أنها لكي ترى النور –وكغيرها من ممارسات المتنفذين-تلفحت برداء المصلحة الوطنية. توحي بذلك المعلومات المتطابقة حول الأجواء التي كانت سائدة داخل الدوائر العليا من الطبقة الحاكمة في الفترة الأخيرة من حكم الرئيس ولد الطايع. غير أن تلك العوامل الذاتية لا يمكن أن تلعب إلا دورا مساعدا في الصراع بين أجنحة نظام قائم على الزبونية ومتجذر لدرجة أن فكرة القضاء عليه لا يمكن التفكير فيها بسهولة من داخله. كانت فكرة القضاء على النظام من خارجه هي المطروحة على جدول الأعمال حينها مع كل ما كانت تحمله من مخاطر تخص بالأساس الرموز المعنيين بصناعة السلطة وتسخيرها لأغراضهم وبالتالي كان على هذا النظام أن يقرر حماية نفسه أو أن يعيش وضعا غير مستقر وغير محسوب العواقب. وفي هذا الإطار جاء انقلاب الثالث من أغسطس ردة فعل من النظام لإنقاذ نفسه وليس –كما أرادت الدعاية تصويره- مشروعا لإنقاذ موريتانيا. وأي مشروع حمله أو يمكن أن يحمله هذا الانقلاب؟ ردة الفعل هذه كانت انتصارا لأكثر أجنحة النظام تغلغلا في أروقة الدولة وأعظمهم حساسية تجاه ماضيها ومستقبلها. وما كان لهذا الجناح أن ينتصر من دون الاعتماد على غيره من القوى "المقبولة" لدى الرأي العام. وعبر تبني شعاري الديمقراطية والعدالة تم نصب فخ لبعض أكثر قادة الجيش جدية ومهنية فوقعوا في المصيدة ظنا منهم أنهم يحسنون صنعا بينما هم في الواقع يشرعون لمرحلة مظلمة لا يعرفون كيف يهتدون في "مغاراتها" وهم في النهاية المسؤولون عن نتائجها أمام ضمائرهم وأمام الشعب الذي ما كان ليمنحها ثقته لو ظهرت في ثوبها الحقيقي. لم يكن الخطاب الإصلاحي الذي افتتح به العهد الجديد تملقا للشعب وقواه الحية وللمجتمع الدولي فحسب، بل كان أيضا وسيلة لشراء الانسجام الداخلي للمجلس المشكل على عجل ضمن مناخ عام يظهر المشاركة في هذا المجلس –حتى ولو كانت شكلية- نوعا من البطولة في زمن يندر فيه الأبطال. كان الوضع يشبه إلى حد بعيد انقلاب العاشر من يوليو 78 مع فارق وحيد هو أن البلاد إذ ذاك كانت تخوض حربا يجب أن تتوقف. فلم تكن لدى العسكريين حينها ولا حتى الآن رؤية لمرحة ما بعد الوصول إلى السلطة ولا هم يمتلكون لا المؤهلات العلمية والأخلاقية ولا التجربة الضرورية للتعامل مع وضع معقد يتطلب روحا خلاقة ورجال دولة متمرسين. ويبدو أن ربع قرن من الانفتاح الديمقراطي وعقودا من العمل في ظل الأحكام الاستثنائية والأحادية لم تستطع أن تكسب الطبقة السياسية المؤهلات الضرورية للتعامل مع الطوارئ والقضايا ذات الأهمية الاستثنائية. ففي كل مرة يستجد فيها وضع لم تكن هذه الطبقة طرفا فيه تكشف بكامل الوضوح عن عدم فعالية منقطعة النظير وعن قصر نظر ميز الكثير من نضالاتها. اتضح ذلك من خلال تعاملها مع المسار الديمقراطي بمختلف مراحله، مع المحاولة الانقلابية في الثامن يونيو 2003 ومع الهجوم الإرهابي على لمغيطي وكان أكثر وضوحا خلال سقوطها المروع أمام "ثوار 2005" وتهافتها على تقديم آيات الولاء لهم وقبولها التام وغير المشروط بأن تكرس كل طاقاتها لخدمتهم. أما المتسولون باسم الثقافة في بلادنا فقد ركبوا الموجة –كعادتهم- علها تقذف بهم إلى فضاءات لا يكترثون سوى للاختباء في هوامشها والنهش مما يتناثر عليها من فتات. كان الوضع إذا مواتيا أمام الثوار الجدد –في ظل القصور الذاتي وهشاشة الساحتين السياسية والثقافية- لاستدعاء جناحهم المدني وتسليمه زمام الأمور مع السهر على شيء واحد هو أن يبقى الماضي المظلم للنظام في مأمن من أبسط شعاع ضوء وأن تسقط إمكانية متابعة أي من عناصره على جرائمهم من أجندة كل الفعاليات الوطنية أي أن تستمر عملية التدمير والنهب لكنها هذه المرة ستقتصر على الجناح المنتصر وستكون خطاها أسرع. ومع أن طريقة تشكيل الحكومة الانتقالية وتشكلة هذه الحكومة نفسها جاءت كأول إشارة كاشفة عن طبيعة الثوار ونواياهم إلا أنه لم يكن هناك من هو مستعد لالتقاط تلك الإشارة في غمرة الاحتفالات برحيل رأس النظام -الذي لم تمكنه عبرقيته من لتشكيل حكومة مماثلة حتى وهو يعيش أسوأ أيام حكمه- وهو ما يظهر مدى الإهمال الذي يتم التعاطي به مع الشأن العام. لقد أفلحت الضغوط الأجنبية في حمل الانقلابيين على تقليص المرحلة الانتقالية وعلى التعهد بإدخال بعض الإصلاحات الأساسية بينما لم تكن هناك ضغوط داخلية أصلا اللهم إلا فيما يتعلق بتمويل الأحزاب والمنظمات وغيرها من المصالح الخصوصية. وحين يتذكر اليوم الساسة المتسابقون نحو السلطة أداءهم في بداية المرحلة الانتقالية يتصبب العرق منهم خجلا ويعضون أصابعهم ندما. كيف لم يبذلوا أبسط جهد للتأثير في سير المرحلة الانتقالية ورضوا بدور المبارك لتصرفات حكومة فاشلة ومجلس عسكري ينكمش على نفسه شيئا فشيئا ويغيب أي دور فيه لجناحه الجاد! كيف تركوا مستقبل البلاد بأيد سبق أن أظهرت أنها غير أمينة وغير راغبة في الإصلاح! يدعي ساستنا أن الأوضاع غداة الثالث أغسطس بلغت درجة من الاحتقان باتت معها الظروف مهيأة لانزلاق البلاد في متاهات غير محسوبة العواقب وأن أية محاولة للضغط على المجلس العسكري كانت ستستغلها "جهات متباكية على ما قبل الانقلاب" وكانت ستقود إلى صراع قد يكون مدمرا! وهل هناك من يتباكى على النظام أكثر من الساسة والانقلابيين أنفسهم؟. يدعي العسكريون أنهم أشرفوا على إعداد برنامج انتقالي وعهدوا إلى حكومتهم بتنفيذه. فماذا تدعي الحكومة؟ تكابر وتفاخر بأنها أنجزت كل شيء بينما الواقع يثبت عكس ذلك! وهل عهدناها إلا مكابرة، مهوسة بالانجازات الوهمية، مزورة للأرقام ومسبحة باسم رأس النظام؟ والواقع أن الجميع مشتركون في مؤامرة كبرى هدفها الأساسي منع أي تغيير جذري قد يشرك الطبقات الشعبية الواسعة في ثروات البلاد. فما لا ينتبه إليه الكثيرون دائما هو أن المعارضة –إلا من رحم ربك- والمساندة لا تختلفان عن بعضهما البعض عندما يتعلق الأمر بتغيير قد يمس أسس "النظام" الذي تشتركان في بنائه وتتبادلان الأدوار داخله. ليست المساندة هي المعنية وحدها بصيانته وإن كانت تستفيد مؤقتا أكثر من عائداته لأن المعارضة هي الجزء المكمل لها والمستعد للحلول مكانها كلما أفلست وأصبحت مصدر إزعاج للشعب. لا نتحدث هنا عن مؤامرة بمعنى أن أشخاص المعارضة والمساندة يخططون معا لبلوغ أهداف موحدة وإنما نعني أن مصالح هؤلاء كطبقة مهيمنة على مصائر شعب –منذ ما قبل الاستقلال- تدفعهم إلى العمل في نفس الاتجاه كلما برز هناك خطر يتهدد نظامهم. وليس هناك معنى –عندما يتعلق الأمر بمواجهة هذه المخاطر- للفروق الأيديولوجية ولا للحزازات العرضية التي تظهر أثناء الصراع في فترات الارتخاء. ذلك هو ما يفسر الهستيريا الجماعية التي تنتاب هذه الطبقة في أوقات الأزمات الكبرى وهو ما يفسر أيضا ميوعة المواقف داخلها وسهولة التنقل فيما بين فصائلها حتى أننا اليوم –وهذا جزء من اللعبة- لا يمكن أن نميز بين أحزابها. حتى الآن لم يتم تناول أي ملف هام من الملفات المعلقة في عهد ولد الطايع! لم يتم التعرض لصلاحيات رئيس الجمهورية التي كانت تجعل من الرئيس ولد الطايع كل شيء! مجلس الشيوخ ما يزال جاهزا لإيواء أمراء القبائل! ليس هناك تفكير جدي بشأن لجم اقتصاد المضاربة الذي ينهش أقوات المواطنين ويعرض صحتهم للخطر! الشعب مازال ينظر إليه على أنه جاهل يجب محو أميته بنفس الطريقة السابقة! التعيينات في الوظائف المهمة ما تزال ضمن الدائرة الضيقة! العاطلون عن العمل يعدون بعشرات الآلاف ويتم التعامل معهم على أنهم عبء على الدولة! حريات المواطنين ما تزال مستباحة! عقلية الإدارة الموروثة عن المستعمر أضحت أكثر بروزا! حتى أن زيارات الرئيس الحالي وتعامله مع المواطنين لم تتميز في شيء عن سلفه! كل ذلك يدفع طبعا إلى تجريد الحديث عن الإصلاح من أية مصداقية لكنه أيضا يدفع إلى التساؤل حول حقيقة دور الرئيس ولد الطايع في هذا النظام: هل كان ولد الطايع هو سبب فساد النظام أم أن النظام هو الذي أفسد ولد الطايع؟ كيف نفسر استمرار الفساد وتعثر الإصلاح بعد رحيل ولد الطايع؟ ألا يمكن أن يكون الدافع الأساسي وراء الانقلاب هو الوقوف في وجه الرغبة المعلنة من طرف الرئيس ولد الطايع في الإصلاح منذ إعادة انتخابه سنة 2003؟ وإلا فماذا يعني الإصرار على الاحتفاظ بالأساسي من مساوئ النظام الذي يرمونه بالبائد؟ وماذا تعني اجتماعات العسكريين المحاطة بالسرية والتراخيص والعقود المشبوهة؟ احمد ولد المامون القلم 18/09/06 الأسماء الخمسة: أبوك الخ..ضرورية للنجاح في الانتخابات بعد أيام قليلة ستبدأ –إن شاء الله- حملة الحملات الانتخابية، تلك الحملة التي تموج موج البحر وتبث النشاط والحيوية في القلوب والشوارع، إذ تعبأ الطاقات وتزاح العلل وتبلى السرائر وتخرج الصور التي كانت مخبوءة لأيام الصيف، فلا مخبأ بعد بوس ولا عطر بعد عروس. وأطرف ما في هذه الحملات القادمة أنها أول حملات قران تشهدها البلاد، قرن فيها بين النسكين: نسك البلدي ونسك التشريعي، وقد كنا قبلها لا نعرف إلا حملات الإفراد، لا نعرف التمتع والقران. فالمواطن مدعو في هذه إلى تقرير اختيارين منفصلين ولا يسوغ إلا أن يكونا منسجمين إذ من غير المقبول أن تكون أبيض اللون في البلدي أصفره في التشريعي أو العكس. وهذا من الصعوبة بمكان، ومن المفروض أن الحملة الانتخابية ستسهل للمواطن أخذ القرار المناسب، إن شاء الله، إذا جرت هذه الحملة على ما يرام ونحن على يقين أنها ستكون كذلك إن شاء الله. وقد أجمع المراقبون وعلماء السياسة في بلادنا على أن كل حملة –ما عدا حملة الطالب عبد الله رحمه الله تعالى- تحتاج إلى المال وإذا كان القانون قد حرم شراء الذمم والضمائر بالنص الصريح ومنع بيع الأصوات منعا باتا كبيع الميتة والخنزير فإنه سكت عن أشياء تعتبر داخلة في العفو العام، منها أنه حظر على الإدارة أن تتدخل فيما يجري بين المترشح وناخبيه من أحاديث ومواعيد وعلاقات حميمة وأباح لهم أن يعرضوا لهم بالمعروف من القول ويعينوهم في المشاريع العامة، فإن هذه الإعانات من عاجل البشرى التي تقدم للناخبين من قبل المترشحين. وكثيرا ما يتساءل المتسائلون عن أجدى ما ينفع في الحملات ويعين في كسب تلك المباراة، وقد اختلف أرباب هذا الشأن في ذلك كثيرا والذي أجمع عليه رأيهم هو أن خير ما تكسب به الحملة هو الأسماء الخمسة التي ذكرها النحاة في أبواب النيابة وهي: أبوك وأخوك وحموك وفوك وذو مال. أما "أبوك" فيعنون به الوزن الاجتماعي للمترشح، فمن قديم الزمان يوجد مترشحون لا يملكون في الحملة إلا رصيد آبائهم الأقدمين، فكانوا إذا غضبوا غضب لهم عشرة آلاف سيف لا يسألونهم فيم غضبوا. والغريب أن الكثير من المفكرين المعاصرين يقللون من شأن هذه الطائفة ويرون أن أمرها إلى زوال نظرا لازدياد الوعي بين الناس، فتأتي النتائج دائما على عكس ما كان هؤلاء المفكرون يتوقعون. وأما أخوك فالمراد به من يشاركك في المذهب السياسي ويشاطرك المذهب الفلسفي الذي تستقر به آراؤك ومواقفك السياسية وقد لا تجمعك به آصرة نسب ولا قربى مساكنة بل أنت وهو ومن نحا نحوكما كالاخوة في الله يجتمعون من آفاق شتى لا يجمعهم إلا التحابي في الله والإقبال على ذكره. وأما "حموك" فالمراد به أقارب زوجك (أو زوجتك إن كنت رجلا) فلم يتجه لي فيه الآن وجه مقبول إلا أن يكونوا ذكروه هنا جمعا للنظائر، إذ من المعروف أن منفعة الحمو إنما تكون بعد النجاح والفوز في الانتخابات، ولعل من أحسن من عبر عن هذه الحقيقة الفرزدق رحمه الله إذ فرق بين الشفيع العريان والشفيع المؤتزر وفضل الأول على الآخر في قصة مشهورة. وأما "فوك" فالمقصود به ما ينطق هذا اللسان إبان الحملة من خطب ومحاضرات وتصريحات وإشارات وأقوال لا يلقى لها قائلها بالا وهي عليه وبال. ولعمري إن نجاح المترشح لمرهون بما يصدر من بين شفتيه، وهل يكب المترشحين في هاوية الإخفاق إلا حصائد ألسنتهم. أطنب رجل في غير موضع الإطناب، أوجز في غير موضعه، عرض أو صرح حيث لا يحسن التعريض أو التصريح، ناهيك عن الإساءات والتجريحات الصادرة عن غير قصد. وللنجاة من هذه المزالق لا بد للمترشح إن شاء الله من ضبط شفتيه وخزن لسانه فلا يصدر منه قول إلا بعد تحضيره وتحريره وعرضه على عدة موازين آخرها ميزان درء المفاسد وجلب المصالح، وهو في ذلك محتاج إلى معرفة نفسية المخاطبين وما يسوءهم وما يسرهم ولكل مقام مقال كما يقال. وأما "ذو مال" فإنما أخروه في الذكر مع أنه مقدم في الفكر لأهميته وخطورة دوره، ولأمر ما اختار النحاة هذا المثال لأن المال ينفع ما لا ينفع العقل، فذو مال هو ممول الحملة والحملة لا بد لها من ممول ولو لم تكن كذلك لما نظمت السلطات العمومية بتشريع خاص تمويل الحملات، فلم تدع التشريعات الميدان خاليا "لذي مال" بل ضبطت تدخله بضوابط تصب كلها في ضرورة تحقيق العدل والمساواة في الفرض بين المترشحين إلا إن هذه التشريعات لم تمنع قط أهل الدثور من التدخل في الأمور كيف يشاءون على طريقة الله أعلم بحقيقة باطنها وأما ظاهرها فلا مطعن للقانون فيه قطعا. وفي بعض البلدان الديمقراطية يلزم المترشحون بتقديم محاسبة دقيقة عن مصاريف سير حملاتهم وما أظن بلادنا أخذت بكل ذلك وما ضرها لو كانت فعلت حفاظا على الناموس الظاهر والله يتولى السرائر. هذه الأسماء الخمسة من حصل منها على حظ أو حظين فأخلق به أن ينجح متفوقا ومن لم يحصل منها على شيء فهو في مشيئة الله فإن نجح فما أنكرنا لله قدرة. محمد فال ولد عبد اللطيف الشعب عدد 8503 (12/9/06) ملتقى حول قضية الصحراء الغربية في نواكشوط نظم المعهد العربي الإفريقي للتنمية والإعلام يومي 11 و 12 مايو 2006 ملتقى في فندق الخاطر بانواكشوط تناول المعوقات التي تعترض سبيل اتحاد المغرب العربي ومن أهمها حسب منظمي الملتقي نزاع الصحراء ومشكلة الهجرة السرية ، و في أول أيام الملتقي سيطرت علي نقاشات المشاركين قضية الصحراء حيث كانت أغلبية الآراء تميل للموقف المغربي المنادي بإعطاء حكم ذاتي للصحراويين، وقد كان لتشكلة المدعوين دور كبير في انحياز معظم الآراء إلي جانب الحل المغربي، بل إن هذهْ التشكيلة توحي بنوع من الانتقاء لصالح رأى معين ، فعلي سبيل المثال دعي الحضور الملتقي أستاذان أسبانيان معروفان بآرائهما المدافعة عن موقف الرباط وقد قدما ورقتين تدعمان هذا الموقف ، كما دعي أستاذ مغربي وشخصية صحراوية متمغرية و قدما كذلك ورقتين تدافعان عن الموقف المذكور أما الجزائر فلم يدعي منها أحد وبوليزاريو التي قاطع أصدقاؤها في نواكشوط الملتقي فقد تم تجاهل الناطقين الرسميين باسمهما واستدعاء أحد المنشقين عنها وهو محجوب السالك الذي يمثل ما يعرف بخط الشهيد. وبالنسبة لحضور الموريتانيين فتمثل في وجود مكثف للقوميين العرب من بعثيين وناصريين إضافة إلى شخصيات تمثل ما عرف يوما ما بالميثاقيين أو الكادحين المندمجين في حزب الشعب. لقد كانت أراء هذه الأطراف، ورغم تباين طفيف، متحدة في رفضها للاستفتاء كوسيلة للحل وانطلقت في تبريرها لهذا الموقف من استحالة تحديد هوية السكان الصحراويين وعدم تمثيل بوليزاريو لهم وكون إنشاء كيان صحراوي مستقل غير ضروري وسيزيد من التمزق العربي. أما الصوتان اللذان شكلا نشازا في هذا الملتقى فهما صوتا محجوب السالك (خط الشهيد) الذي دافع عن استقلال الشعب الصحراوي وحقه في تقرير مصيره مع اعتباره لقيادة ابوليزاريو الحالية قيادة عاجزة ورهينة في يد الجزائر واحمد ولد الحباب من حزب اتحاد قوى التقدم الذي رد أولا على اللوم الموجه للبوليزاريو في هجماتها على موريتانيا إبان الحرب معتبرا أن النظام الموريتاني آنذاك والذي وقع اتفاقية مدريد لتقسيم الصحراء وشارك المغرب في غزو هذا الإقليم هو الذي اجبر بوليزاريو على ذلك التصرف كما اعتبر مشكل الصحراء مشكل تصفية استعمار وافضل وسيلة لحله هي تمكين هذا الشعب من تقرير مصيره عن طريق الاستفتاء واعتبر كذلك أن السعي لإقامة الوحدة العربية لا يمكن أن يكون مبررا لقهر وسحق الشعوب. جدير بالذكر أن هذا الملتقى يجيء بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها الوزير الصحراوي الخليل لأنوا كشوط والتقى خلالها العديد من ممثلي ل الأحزاب وقد يكون بمثابة نوع من ردة الفعل على تلك الزيارة كما يأتي بعد ندوة حول الصحراء كانت قد نظمتها قبل فترة في نواكشوط الرابطة الموريتانية لأصدقاء الشعب الصحراوي. احمد ولد عبد بيــــــــــان الهيئة الوطنية للمحامين لقد تفاجأنا في إطار الهيئة الوطنية للمحامين من السلوك غير القانوني المخيب لكل الآمال والذي تعاملت به النيابة العامة وأعوانها مع نقيب وأعضاء من السلك الوطني للمحامين أثناء مواساتهم لمتهمي رأي، جاءوا إلى النيابة بعد خطف أكثر من شهر مقتادون بقوة عنجهية الحديد والنار ومقيدون بالأصفاد، وفي صورة تتنافي مع الكرامة الإنسانية تظهر سوء ضيافة خاطفيهم الذين لم يستحوا من إشهاد العدالة والرأي العام على معاملتهم المتخلفة للنفس البشرية. إن هذا السلوك هو ما يأباه الضمير الإنساني والمهني لنقيب وأعضاء الهيئة الوطنية للمحامين، ويعتبرون أنه لا يمكن أن تنهض دعائم العدل إلا على احترام حقوق الإنسان، وأن أي نيابة تقدم المتهمين إلى العدالة بهذه الطريقة فهي لا تخدم المجتمع ولا العدالة عندما تسمح للجور أن يشوب الإجراءات وعندما يتعرض المشتبه فيهم للتعذيب وسوء المعاملة على أيدي الشرطة السياسية المفترض أنها مكلفة بتطبيق القانون وصيانة حقوق الإنسان في مخافر الشرطة وغرف الاستجواب... ومراكز الاحتجاز وشكليات المحاضر، ومن ثم فإن النيابة التي لا تحترم الإجراءات القانونية تفقد النظام القضائي مصداقيته وتكون قد أخفقت في أداء واجباتها وخانت المسؤوليات التي أنيطت بها. وتبعا لذلك فإننا ننبه إلى أنه بدأ خطر تعرض جماعة محمد ولد محمد عالي وعبد الرحمن ولد الكور إلى انتهاكات حقوق الإنسان، بما في ذلك التعذيب بالنسبة إلى محمد الأمين ولد لكور، وقد تجسد ذلك الخطر في إجراءات القبض والاحتجاز التي تمت خارج كل القيم القانونية، كما، اعترفت النيابة العامة بأنها لم تشعر بالاعتقال إلا بعد أسبوع من قبل محاميهم، وهو ما لم يغير من الأمر شيئا. ومن ثم فإننا في الهيئة الوطنية للمحامين الموريتانيين الطود الحصين للدفاع عن حقوق الإنسان الموريتاني لا نطالب إلا بالمحافظة على ما أقره مشرعنا وصادقت عليه دولتنا الوطنية من مواثيق وعهود بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 10 ديسمبر 1948 ، والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الصادر بتاريخ 28 يونيو1981، وبذلك فإننا نذكر الجميع بالحقوق المحفوظة إجرائيا لكل المتهمين قبل تقديمهم إلى المحاكمة العادلة وهي: الحق في الحرية حق الشخص المحتجز في الاطلاع على المعلومات الخاصة به الحق في الاتصال بالعالم الخارجي الحق في الاستعانة بمحام . الحق في المثول دون إبطاء أمام قاضي التحقيق أو مسؤول قضائي آخر. الحق في الطعن في مشروعية الاحتجاز الحق في محاكمة عادلة خلال مدة زمنية معقولة أو الإفراج عنه الحق في مساحة زمنية وتسهيلات كافية لإعداد الدفاع الحق في أوضاع إنسانية أثناء الاحتجاز وعدم التعرض للتعذيب ومن هنا فإن الهيئة الوطنية للمحامين تعتبر احترام هذه الحقوق ضربا من الاتفاق في الرأي أجمعت عليه أمم الدنيا بشأن المعايير اللازمة لتقييم الطريقة التي تتعامل بها السلطات القضائية مع الأشخاص المتهمين واعتبار هذه الحقوق حدا أدنى لما حفظته المنظومات القانونية للكرامة الإنسانية وخطوطا دفاعية يستحيل التنازل عنها من قبل الهيئة الوطنية للمحامين الموريتانيين. عن الهيئة النقيب أحمد ولد يوسف بعد الزوبعة التي أثارها ظهور شرطيات في الشوارع يومية"الأخبار" ترصد موقف الدين والسياسة والاجتماع من المرأة الشرطية انتبه سكان مدينة نواكشوط فجأة ودون سابق إنذار ليجدوا عددا من بنات حواء وهن يرتدين ثياب الشرطة يساعدن الرجال الشرطيين في تنظيم المرور، ويبدو للرائي من أول نظرة أنهن يؤدين أدوارهن دون عناء أو خجل، وكانت المرأة الموريتانية قد ولجت باب العمل الشرطي منذ مطلع تسعينات القرن الماضي لكنها بقيت داخل المكاتب ولم تنزل للميدان بالصورة التي نشاهدها إلا منذ أيام قليلة. وحين شاهدها الجميع تضاربت الآراء بشأنها وجرى النقاش بخصوص عملها هذا داخل الصالونات والمجالس العلمية فمن قائل بأنها يجب أن تبحث عن عمل غير هذا نظرا لمشقته وصعوبته، بل إنه يراه مخالفا للشرع، ومن قائل إنه عمل نزيه وشريف ويحقق للمرأة جملة غايات منها العمل والإشراف المباشر على تطبيق القانون.. ونظرا للزوبعة التي أثارتها هذه القضية وتباين الآراء بشأنها قمنا بالتحقيق التالي.. مبررات تشكل المرأة أكثر من 50% من المجتمع الموريتاني ونظرا لتطور المدنية والجريمة فإن وجود المرأة في كل القطاعات يرى فيه البعض ضرورة، فالمرأة الشرطية باستطاعتها أن تنجح في متابعات المجرمات ومن يقمن بالرذيلة أكثر من الرجل وذلك لخبرتها في ظروف وملابسات هذا النوع من السلوك كذلك فإن حجزها في العمل الشرطي يحول دون كثير من الانحراف قد تكون مهيأة له أصلا، وعموما فقد استطلعنا آراء مجموعة من السياسيين والمثقفين والفقهاء حول هذا الموضوع، كما تحدثنا إلى مفتشة شرطة فضلت عدم ذكر اسمها عن ملابسات وتداعيات ولوجها لسلك الشرطة، كما استطلعنا آراء من الشارع حول الموضوع... آراء من الشارع وقد قمنا باستطلاع مجموعة من الآراء من الشارع هي: الشيخ ولد أبو محمد تاجر بالسوق: أعارض عمل المرأة في الشرطة لعدة أسباب منها: أن تكوين النساء النفسي والبيولوجي لا يسمح لهن بولوج هذه المهنة، فالرجال موجودون وهو منظر غريب على مجتمعنا، والدافع له في نظري ليس الحاجة للعمل وإنما مسايرة الركب الدولي فهناك البعض يقلد في الأشكال والرسوم دون الغوص في التفاصيل والجوهر والعمق. الفتاة بنت عبد الله مدرسة: هذا المنظر الذي رأيته مروع في رأيي لا يمكن للمرأة أن تستمر في هذا العمل، كما أنه شاق وصعب ولا يتلاءم وخصوصيات للنساء. محمد سالم طالب بالجامعة: ما المانع من أن تعمل المرأة في أي قطاع إنه منظر عادي بالنسبة لي. فاطمة بنت سيدي محمد مدرسة: إن الزي الذي يرتديه الشرطيات ساتر وجيد، وهي مهنة جيدة ويجب أن لا تبقى حكرا على الرجل كما أنهن ساترات جيدا بخلاف النساء في الشارع. السيدة (ب ؛س) مفتشة شرطة: أهم مشكلة تواجه المرأة في العمل هي علاقتها بالرجال س: كيف كان رد أسرتك على دخولك لهذه المهنة؟ ج: عندما قدمت ملفي للامتحان وعدت للأسرة وأخبرتهم بالذي كان، فاجأهم الأمر لكن بعد نقاش قبل بعضهم الموضوع معتبرا أن لا فرق بين الوظائف وبعضهم رفض،، بل أنه ظل يريدني أن استقيل من هذه المهنة. لكن مع مرور الوقت لم تعد هناك أي حساسيات حول الموضوع. س، كيف تعتقدين أن المجتمع ينظر إليكن أنتن معاشر الشرطيات؟ ج: انطلق من تجربتي الذاتية، فلا أعتقد أن المجتمع يتخذ مني موقفا، وقد اتضح لي ذلك من خلال ممارسة العمل فقد مر على كل أصناف المجتمع وفئاته ولم أتلق أي أحد ولم ألاحظ أن أحدا ينظرني بنظرة خاصة، هذا من جهة، أما إذا كنت تقصد، هل المجتمع يكرهنني لمهنتي هذه فلا ولم تسبب لي أي مشاكل اجتماعية، فأنا متزوجة منذ بعض الوقت وعلاقتي بذوي وذوي زوجي جيدة، ولم يعترضوا على زواجنا لأنني شرطية كما أن زوجي لم يعترض على عملي. س: هل واجهتك مشاكل أثناء التدريب؟ ج : عموما التدريب مر بسلام......... س: هل تراجعت إحداكن نظرا لصعوبة عملها؟ ج: لا لا نهائيا بل واصلن عملهن. س: هل تذكرين مواقف طريفة وقعت لكن أولك في العمل أو التدريب؟ ج: نعم أذكر أننا ذهبنا إلى المغرب لإجراء التدريب وفي أحد الأيام الأولى للتدريب وقف المدرب وخاطبنا جميعا فقن هناك، فظننا، أنه يريد منا أن نتسابق فذهبنا جميعا نهرول إلى الباب فإذا به مغلق، فضحك منا طلاب المؤسسة جميعا ولا زلت أذكر قولهم: "الموريطانيات فين غاديات" ومرة أخرى في التدريب كان علينا عمل دورة داخل المؤسسة ومعنا المؤطر فلبست نعلا خفيفة غير عسكرية وأثناء الدورة سقطت من قدمي وكان لا يمكنني أن أنحني حتى آخذها، فواصلت بدون نعل حتى عدت إليها في الدورة الموالية فأخذتها ولم ينتبه المؤطر ولو تنبه لعنفني. س: ما هي أهم المشاكل التي تواجه الشرطة في عملها دون الرجل؟ ج: طبعا هناك المشاكل المشتركة والمعروفة فهذه أنت لا تساءل عنها، فيما يخص المرأة أهم مشكلة تواجهها هي علاقتها بالرجال في العمل خاصة من هم أصغر منها رتبة، فعندما تصدر إليهم أوامر يحسون بفقد لرجولتهم أو طعن فيها على الأقل، فالرجال لم يستطيعوا استيعاب وجود امرأة تصدر إليهم الأوامر، وهو أمر أظنه يخص القطاع العسكري، وإلا فإن النساء موجودات في السلطة ولم أسمع عن مشكلة تعانيها إحداهن في هذا الميدان. د. عبد الله بن أحمد فال أستاذ علم الاجتماع بالجامعة المرأة الشرطية مهددة بالعنوسة دخول المرأة للقطاعات العسكرية غير جديد على المجتمع الموريتاني فقد كانت المرأة تمارس هذه المهنة لكن وراء الستار: الإدارة والملحفة، وذلك إما لعدم قناعتها أصلا بممارسة هذا النوع من المهن أو خوفها من ردة فعل المجتمع باعتبار هذا النوع من المهن خاص بالرجال، خاصة في مجتمع خرج لتوه من البداوة.. لكن الجديد في المسألة هو خروجها في زي الشرطة علنا وكذا تواجدها في بعض الأماكن التي لم تكن معهودة لها في السابق مثل ملتقيات الطرق، وحسب اعتقادي فإن هذه المسألة أي وجود المرأة في هذه المهنة يرجع إلى عدة عوامل نذكر منها: 1- دوافع اجتماعية تتعلق أساسا بالبطالة وتزايدها في شريحة النساء أساسا فصعوبة الحياة الاجتماعية وطبيعة المشكلات الاجتماعية وتنوعها حتم الاستعانة بخبرات وبمهارات في المجال الآخر، يعني ذلك أن وجودهن في سلك الأمن حتمته التحولات الاجتماعية مثل تزايد نسبة المنحرفات مما يجعل المرأة أكثر فهما لما تقوم به نظيراتها المنحرفات. 2- تغير المنظومة الثقافية والفكرية، الشيء الذي ساعد في تغيير نظرة المجتمع لعمل المرأة 3- ضعف الوازع الديني وغياب الرقيب الاجتماعي كانت تحول دون ممارستها لأنشطة كهذه. 4- توفر إرادة سياسية واضحة تهدف إلى إدماج المرأة في كافة القطاعات بما فيها دواليب الأمن. 5- دوافع اقتصادية لإعانة الأسرة وتدعيم ميزانيتها. 6- تواجد المرأة في سلك الحرس الوطني رفع التكلفة النفسية عند المرأة في الشرطة، هذه عموما بعض أسباب التحاق المرأة بهذه المهنة التي لها إيجابيات وسلبيات، فمن إيجابياتها: - إحساس المرأة بالمسؤولية تجاه نفسها والمجتمع؛ - فهم جديد لتوزيع الأدوار بين الجنسين قائم على أساس الكفاءة والخبرة وليس على أساس أعرف اجتماعية؛ - خلق نوع من التوازن بين شخصية المرأة والرجل وهذا جد مهم، فتمكين المرأة من الإشراف المباشر عل تطبيق القانون لا يساعدها فقط على الاعتراف بقدراتها واثبات وجودها، وإنما أيضا يساعد على التخلص من عقدة النقص تجاه الرجل. أما السلبيات فمنها: الضعف المعنوي الذي قد يجرها إلى الانحراف الأخلاقي، خاصة إذا ما علمنا أن القوانين الأمنية لا تسمح للمرأة بالزواج أو باختيار الشريك دون تدخل من الجهات الأمنية وحتى أنها تتدخل عند الضرورة في اختيار الزوج لاعتبارات أمنية بحتة، وهذا معمول به في كل الدول المعاصرة، هذا يجعلها تحس بوحدة شديدة تحتاج إلى ملئ فراغها وهو ما يؤدي إلى انتشار العنوسة أو على الأقل تأخر سن الزواج لدى الشرطيات، أما إذا تزوجت فإن هذا يؤدي إلى حرمان أبنائها من حنانها وعطفها وفي نفس الوقت ينعكس على سلوكهم وذلك لطبيعة تكوينها الوظيفي وما يقتضيه من خشونة وعنف، فهي أحيانا كثيرة تردع المجرمين وتهددهم وهذا ينعكس على طريقة تسييرها للبيت وخلق الظروف الملائمة لنجعلها، وغالبا ما تفشل في هذا الأخير، إلا أن مسألة سلبيات هذا العمل تحتاج لتحقيقات ميدانية للتأكد من صحة الفرضيات بوجود علاقة تناسبية أو غير تناسبية بين هذه المتغيرات. المصطفى ولد بدر الدين نائب رئيس اتحاد قوى التقدم: ظهور الشرطيات في الشارع جاء في وقته أشعر بالفخر والفرح معا لوجود نساء موريتانيات في كثير من القطاعات وخاصة قطاع الدرك والجيش واعتقد أن ظهورهن في الشوارع جاء في وقته المناسب، حيث يلاحظ ظهور للنساء الموريتانيات في جميع المجالات وخاصة أثناء حملة الدستور، فقد تميزت هذه الحملة بحضور منقطع النظير للمرأة الموريتانية في المهرجانات والأمسيات وفي الطوابير مع ظهور تنظيمات مدنية تطالب بولوج المرأة مراكز القرار الشيء الذي حقق بعض النتائج الهامة منها: المصادقة على حصول المرأة في جميع الهيئات المنتخبة على نسبة 20% على الأقل في الوظائف الانتخابية بصورة فعلية هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن وجود شرطيات يستجيب للحاجة إلى ظهور النساء في جميع المجالات مما يتطلب أن يكون هناك نساء مثلهن مكلفات بالأمن بدلا من أن يتكلف بعملية الأمن في الأوساط النسائية رجال، وعليه فإن هذا الأمر يعتبر تطورا هاما في تاريخ الشعب الموريتاني وأهيب بالفاعلين السياسيين ومنظمات المجتمع المدني والسلطات أن يشجعن هذا الاتجاه وأن يقفن إلى جانب النساء ضد الحملات المغرضة التي تشن ضدهن كما أدعو أخوتي من النساء سواء في الشرطة أو الدرك أو الجيش أن يحافظن كما هو الحال حتى الآن على حيائهن وعلى ثقافة الشعب الموريتاني لكي يتم قبولهن في المجتمع وأشكركم على فتحكم هذا الملف. الأستاذ محمد جميل منصور منسق الإصلاحيين إذا التزمت المرأة فلا مانع يمنعها من أي عمل أعتقد أن لا مانع أصلا يمنع المرأة من أي عمل تريد ممارسته إذا التزمت في زيها وتحركها وعدم مزاحمتها للأجانب في مهمتها هذا هو المبدأ العام. صحيح أن العمل الشرطي شاق وصعب على المرأة، لكنه يبقى أفضل بكثير من التهميش والتشرد اللذين قد يؤديان إلى الانحراف والانغماس في الرذيلة. على القائمين على التدريب والعمل أن يراعوا خصوصية المرأة وأنها مهما كانت ستقوم بأعمال تخصها لا يستطيع غيرها القيام بها مثل الإنجاب والتربية، فعلى وجود المرأة يبقى الحفاظ على المجتمع وزيادته، وكذلك تربية الأبناء تربية أخلاقية دينية. د. سيدي المختار سيدينا أستاذ بالمعهد العالي النساء خدمن مع رسول الله في الجيش لا أرى مانعا شرعيا من خدمة المرأة في الجيش وخدمتها لوطنها عامة إذا أخذنا ذلك بطريق شرعي من حيث التدريب واللباس بأن لا يكون واصفا ولا محددا وغير ذلك لأن أصل ذلك موجود في الشرع فالنساء خدمن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجيش وقاتلن معه ونلاحظ أن الله تبارك وتعالى لم يفرض على المرأة القتال إلا في حالة واحدة وهي مداهمة العدو لقريتها، فهنا تستوي مع الرجل في وجوب الجهاد وأرى بأن ذلك من عدله سبحانه بين عباده فإن أشق عمل في هذه الحياة هو الجهاد والحمل، فوجب على الرجل الجهاد وعلى المرأة الحمل فمن الإنصاف أن لا تكلف بالحمل ثم تساوي مع الرجل في الجهاد الشاق فلكل مشقته، كذلك علينا التفريق بين ما هو موجود في الدول الإسلامية والدول الغربية. الإمام محمد محمود بن أحمد يوره لا بد من مجلس إسلامي للإفتاء في هذا النوع من المستجدات الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على الرحمة المهداة إلى الخلق أجمعين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد: فإن هذا النوع من المستجدات لا يمكن أن يفتي فيه إلا مجلس إسلامي أعلى يكون مكونا من عدة مجموعات: مجموعة من الاقتصاديين سواء منها ما يتعلق بالعنصر البشري وما يتعلق بالموارد الاقتصادية المتوفرة مجموعة من خبراء الأمن المتمرسين والعرافين بمواطن الخلل فيه وحاجة البلد على امتداد رقعته الترابية من الأمنيين والأماكن التي ترتكب فها الجرائم نفسها، هل هي مثلا جرائم تخص النساء أم تخص الرجال أم مشتركة بينهما. مجموعة من الفقهاء المتبصرين المعاصرين والحاذقين بنوازل المدنية ومشاكلها وما يتطلبه كل قطاع من الأطر لتأدية مهام هذا القطاع حتى تتحقق المصلحة العام ولا تتوقف. كلما أقول من حيث المبدأ لا مانع من أن تمارس المرأة أي عمل لا يخل بحيائها، ولا يتعارض مع الضوابط الشرعية المحددة خاصة وأن هناك مجالات النساء فيها أحسن عملا من غيرهن. سيدي محمد ولد أبو المعالي "قردان" الجهاز السياسي عبارة "الحبل السري" التي تصادفك في سياق بعض الكتابات ليس المقصود بها وصف الحبل بالسرية، بل المقصود بها إضافة الحبل إلى "السرة" لأن الجنين في الرحم يمتص الغذاء الضروري لنموه بواسطة حبل السرة الذي يربطه بمصدر الغذاء في جسم "الأم"!. بإمكانك أن تسميه "حبلا" أو خيطا، أو قناة، أو أنبوبا، أو حتى "راكور" يعرف العجائز، في البوادي كيف يقطعنها، ويحتفلن بحياة جديدة منقسمة عن الحياة الأم. ليس للجنين مصدر حياة غير حبل السرة.. هو حياته ذاتها.. ومن ثم أصبح معنى السرة مرادفا لمعنى الحياة.. في ذهنية "البيظان" وأصبح الواحد منهم يحلف بسرته، وسرة أبيه، وأمه أيضا، كما يقولون في المشرق "وحياتك" و"حياة أبيك".. في عدة استجوابات مع وسائل إعلام دولية سئل الرئيس علي ولد محمد قال، عن إمكانية ترشح المخلوع، فأجاب بالنفي، لأن ذلك يجعل إصلاح الثالث أغسطس غير ذي معنى طالما أن "الجهاز السياسي" كما سماه الرئيس مازال هو وكما كان! وعندما يشرح الرئيس مسوغات التعديل الدستوري الذي يمنع الجمع بين رئاسة الجمهورية والوظائف القيادية في الحزب، يعلل ذلك بالقول: "لكي لا يبتلع الحزب الدولة، ويحل محلها"! لابد أنك عرفت الآن من هو الجهاز السياسي.. ولابد أنك عرفت أن وظيفته هي ابتلاع الدولة، والحلول محلها! الجهاز السياسي هذا تكون أصلا جنينا في رحم الدولة.. واحتفل بولادته جميع عجائز السياسة، وقابلاتها، و"داياتها"! أصبح المولود رضيعا بحكم العادة، وظل "الحبل السري "شغالا" بخلاف العادة! أصبح يتغذى من جهتين، وبطريقتين: يرضع لبن الدولة بفيه من ثديها في الأعلى.. و"يشفط" دمها من رحمها في الأسفل "بالحبل السري"! وحطم الرقم القياسي في النمو.. كان نموه غير طبيعي.. كان نموا انفجاريا.. كان ورما سرطانيا.. ولا علاج للأورام السرطانية إلا الاستئصال.. وقد لا يجدي الاستئصال! وضربت الدولة أو "الأم" الرقم القياسي في الهزال وتدهور الصحة العامة.. وفقر الدم.. ولم تجدها وصفات التزود بالدم.. كانوا يحقنونها في الوريد، ويشفطونها من الشريان.. وشب المولود "على حب الرضاع" فتطورت رضاعته إلى نهش وابتلاع. وتأصلت عادة "الشفط" عنده إلى "إدمان".. فصار "يركب" على غريزة الشفط التقليدية "سامبريسير" الضغط العالي. هل لديكم بعض المعرفة بالإبل وأمراضها؟ إذا كان الجواب نعم، فلابد أنكم تعرفون بشكل جيد، دويبة مصاصة للدماء اسمها "القراد". دعونا نجمع القراد على "قردان" لكي نقول إن الناقة، أو البعير بشكل عام، عندما يصاب "بالغش"، وهو أول أمراض الإبل، تستضعفه "القردان" وتهاجمه بلا رحمة! ذكاء "الانتفاع" هبة من الله لبعض مخلوقاته، ومن ذلك "القردان" فهي تختار المناطق، الرخوة في جسم البعير أو المواضيع الحساسة إذا شئتم، كالرفغين، والإبطين، لأنها الأسهل اختراقا للوصول إلى غذائها "الدموي"! ولأنها ذكية فهي لا تطعم وتغادر كما تفعل "تكوس" وإنما "تعض بالنواجذ" على مصدر رزقها، وتنبت في جسم البعير كالثآليل! "القردان" كبني آدم تتفاوت في الحظوظ، وسعيد الحظ منها من تصادف إبرته الماصة وريدا أو شريانا زاخرا بالدماء الحارة! لكن "نعم" القردان" كبني آدم غالبا ما تكون " في طيها نقم" لأن سعيد الحظ هذا ينمو نموا انفجاريا.. ورما سرطانيا وينقلب "حلمة"! "الحملة" التي تضربونها مثلا في البطء أصلها "قرادا" سريع.. سريع جد! قراد مذكر في البداية.. وحلمة مؤنثة في النهاية.. قراد شرب أكثر من حاجته فصار حلمة! الدولة الموريتانية لو تبصرون ناقة "مغشوشة" بسبب الرضاعة المفرطة من ثديها، ونزيف "الشفط" المتواصل من رحمها بواسطة الحبل السري! كتائب "الجهاز" السياسي الذي تحدث عنه الرئيس، حاصرتها من كل الاتجاهات وهاجمتها بلا رحمة. "قردان" الجهاز السياسي غطت كامل جسمها، ووصلت بخراطيمها المصاصة إلى نخاعها الشوكي . "القردان" التي تعتبر نفسها "مشاريع حلمات"، اختارت لنفسها دون غيرها مواقع شرايين الدولة وأوردتها، وتركت لعامة جنود جيشها الجرار أن تزدحم متراصة على بقية خريطة الجسم، وتنبت كالثآليل. الخبرة في الإبل وأمراضها، تساعدكم على معرفة قردان بني آدم، وعلى تحديد من منهم يمثلون مشاريع حلمات.. أنا أميزهم بالرؤية من مكان بعيد، وأتأكد من أحدهم بالمصافحة، عندما أحس "نعومة" راحته، وملوستها وسخونتها أيضا كبطن الحلمة، والحلمة كلها بطن.. وأستطيع أن أقسم على أحدهم أنه هو، بمجرد أن ينكسر الضوء على جبهته، أو صلعته اللماعة، كفقاعة المطاط التي ينفخها الأطفال. جنين "الإصلاح" انبثق كطائر الفنيق من حطام الدولة المحطمة.. لكن أحدا لم يستطع إقناع "عجائز السياسة وقابلاتها"، بقطع "الحبل السري" لينفصل الإصلاح حياة جديدة مستقلة.. المصيبة أن "الحبل السري" يشتغل الآن في "الاتجاه المعاكس" جثمان الفساد الميت، يمتص نسغ الحياة من جنين الإصلاح، بواسطة "الحبل السري". الطبيب المثالي المشبع بالروح الإنسانية "يعتقد" أن "رسالته المقدسة" إنقاذ الحياة.. والحياة من حيث هي حياة ذات قيمة واحدة، سواء كانت حياة مصلح، أو حياة مفسد.. حدود الإصلاح عندنا تبدو قريبة من هذه "الإنسانية" المصطلحة.. فهو يحاول أن يبلور نفسه في مفهوم "الإصلاح المحايد" الذي لا يؤذي أحدا؟ نرجو لكم التوفيق.. لكننا ندعوكم للتعلم من أطباء الإبل.. أتدرون ماذا يفعلون؟ يعدون طلاء ساما، لستم بحاجة لاسمه، ويطلون به الناقة "المقردة" فتصعق "القردان" صعقة واحدة وتتساقط، ويصبح جسم الناقة نظيفا معافى. افعلوا مثلما يفعلون.. وإذا لم تفعلوا فستكتشفوا بعد فوات الأوان، أن للفساد من وسائل الإطاحة بالإصلاح ما ليس للإصلاح للانقلاب على الفساد. ألا يغريكم أن تروا جسم دولتكم نظيفا معافى.. وعرضها نظيفا معافى.. وسمعتها نظيفة معافاة..طريقها سالكة، معبدة، منارة؟! كونوا "رعاة" جيدين.. ودعوا الفلسفة "الإنسانية" للمتاجرين بها في أسواق "عولمة الفساد". إني لكم من الناصحين. أحمد ولد بياه الشعب: العدد 8427 حول مداخلة عبد الله سيرى با* في ندوة "النموذج الديمقراطي" في ندوة "النموذج الديمقراطي" التي نظمتها مبادرة المواطنة من أجل التغيير الأسبوع الماضي في جامعة نواكشوط، كان عبد الله سيرى با خاتمة المتحدثين في اللقاء الذي بدأ عاصفا وانتهى بسلاسة. وجه عبد الله حديثه لجمع من الطلاب غلب عليه الحماس الثوري، واعتبر أن لا أمل في قيام تحول ديمقراطي ما لم يتم حسم القضايا المتعلقة بما أصبح يصطلح على تسميته "ملف المبعدين" و"تركة انتهاكات حقوق الإنسان". ذكر المتحدث من وحي تجربته الشخصية كيف بدأ مساره السياسي قوميا متعصبا، حضر أحداث 1966 تلميذا في الثانوية، وابتهج لهزيمة العرب في حرب 1967 وهو طالب في باريس. ثم اكتشف بعد تلك الحقبة خطأ توجهاته، مستنتجا أن الانتماءات القومية ليست هي المحدد الأساسي في الوعي السياسي الذي يجب أن يقوم على مفهوم المواطنة، ويتدعم بالقيم الإنسانية الكونية المشتركة.. وأضاف موجها حديثه للأجيال الجديدة "إنكم تربطون التحول الديمقراطي بحل جانب من تناقضات البلاد... ولكن تناقضات البلاد لا تتلخص في هذا الجانب القومي، بل فيها العامل القبلي، والعامل الجهوي، ومخلفات الرق التي ليست خاصة بقومية بعينها .. ولا يخلو أي مجمع من هذه التناقضات.... فإذا كان التحول الديمقراطي مرهونا بحل هذه التناقضات، فلن يتم قبل قرون، وقد لا يتم إذا عملنا على تأجيج هذه النعرات التي يمكن أن تهلكنا جميعا"... سعدت بمداخلة عبد الله التي بدت لي تشع حكمة وتنضح بالمسؤولية... وقد لمست على وجوه الشباب التأثر من هذه النغمة العقلانية الرصينة.. وما أندرها في السوق السياسية اليوم. أدركت بعد نهاية الندوة، أن ما نتوهمه من حواجز عصية بين مكونات مجتمعنا ليست سوى حواجز وهمية، إذا صدقت النوايا وصفت الضمائر فلا أحد يحتكر الوطنية والخوف على الوطن.
*كاتب صحفي قدير وعضو المكتب الوطني واللجنة التنفيذية لحزب اتحاد قوى التقدم د. السيد ولد اباه نظرة فنية على التعديلات المعروضة على الاستفتاء انطلقت حملة التحسيس لصالح الاستفتاء على الدستور مساء الأربعاء الماضي بمباني وزارة الداخلية والبريد والمواصلات. وبهذه المناسبة، علق أستاذ القانون المبرز أحمد سالم ولد ببوط، المستشار بالوزارة الأولى، على التعديلات الدستورية المقترحة. وفي عرضه القيم، تناول الأستاذ المنهجية المتبعة للاستفتاء، والتعديلات المقترحة، مبرزا طبيعتها ومزاياها، ومدى تكامليتها. وفي ما يلي نص المداخلة: في إطار المسلسل الانتقالي الديمقراطي، أقرت السلطات العمومية تنظيم استفتاء حول إدخال بعض التعديلات على دستور 20 يوليو 1991. ما هو الاستفتاء؟ إن الاستفتاء إجراء قانوني يعتمد بموجبه الشعب نصا قانونيا وفي أغلب الأحوال دستورا أو ترتيبات تعدله. ويظهر من هذا التعريف أن الاستفتاء: - أول عملية في إطار المسلسل الانتقالي حيث يبدأ المسلسل الانتخابي بالاستفتاء وينتهي بالانتخابات الرئاسية وتنصيب الهيئات الديمقراطية؛ - أهم عملية في هذا الإطار لأنه يمهد لاعتماد الدستور، وبنفس الحال هو لبنة الأساس في إعادة المؤسسات الديمقراطية. ومن هنا تظهر أهمية الاستفتاء الذي يعتبر نجاحه شرطا لا غنى عنه لإرساء الديمقراطية. وعليه فإنه يشكل الغرض الأساسي من الزيارة التي يقوم بها رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية رئيس الدولة لجميع الولايات، مبرزا مدى أهمية هذه الظرفية الخاصة لبلادنا. سيتناول هذا العرض قضية الاستفتاء حول المحورين التاليين: - المنهجية القانونية المتبعة للاستفتاء؛ - التعديلات الدستورية المقترحة وتقييمها. 1- المنهجية القانونية المتبعة للاستفتاء: لا توجد وسيلة مثالية في إعداد أو تعديل الدساتير ففي الغالب هناك منهجان أساسيان: - انتخاب هيئة لإعداد مشروع دستور، ثم التصويت عليه عن طريق الاستفتاء؛ - تعيين لجنة فنية لإعداد مشروع دستور. وفي السنوات الأخيرة ظهر نمط جديد في الدول الإفريقية التي وجدت نفسها في حالة انتقالية نحو الديمقراطية: وهذا النمط يعتمد على التشاور. وتلك هي المنهجية التي اعتمدها المجلس العسكري والحكومة الانتقالية من خلال تنظيم الأيام الوطنية للتشاور التي تمخضت عن إجماع حول تعديل بعض ترتيبات دستور 20 يوليو 1991. وتم اختيار هذه المنهجية التي تنبع من مبدأ الشورى بين جميع الفاعلين السياسيين في البلد (أحزاب سياسية، مجتمع مدني، فقهاء، شخصيات مستقلة)، كما تم إقرار تعديل الدستور بدلا من صياغة دستور جديد. وهذا الاختيار يرجع إلى تحليل النواقص الملاحظة التي لا تنتج من جميع الدستور بل من بعض مواده، خاصة تلك المتعلقة بالنظام القانوني الذي يحكم وظيفة رئيس الجمهورية والتي أدت إلى سد الفضاء السياسي في بلادنا. وتجدر الإشارة أن التعديلات المقترحة لم تدخل مباشرة على دستور 1991 كما قيل، بل أدخلت عليه بعد القضاء بإعادة العمل به كدستور للبلاد. وبهذا الصدد جاءت المادة الأولى من مشروع القانون الدستوري المعروض على الاستفتاء على النحو التالي: يعاد العمل بدستور 20 يوليو 1991 بصفته دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية، وذلك مع التعديلات الواردة في هذا القانون الدستوري". وهكذا يظهر أن المنهجية المتبعة صالحة قانونيا لأنه يجوز للشعب أن يدخل دستورا جديدا، كما يجوز له أن يعتمد دستورا قديما مع تعديله. 2- التعديلات الدستورية المقترحة وتقييمها: أ- نص التعديلات: قضى مشروع القانون الدستوري المعروض على الاستفتاء بعدة أحكام جديدة هي على التوالي: - تقليص مأمورية رئيس الجمهورية، من 6 إلى 5 سنوات؛ - تحريم إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لأكثر من مرة؛ - القضاء بتعارض وظيفة رئيس الجمهورية مع الانتماء إلى هيئة قيادية لأي حزب سياسي؛ - إدخال القسم على نحو عام، وعلى نحو يتعلق بعدم المساس بالأحكام السابق ذكرها؛ - تعديل المادة 99 من الدستور حيث يضاف إلى المواد الدستورية التي لا يجوز مراجعتها تلك المتعلقة بالنظام القانوني الذي يحكم وظيفة رئيس الجمهورية؛ - تعديل المادة 104 حيث يتم إدخال نظام قانوني جديد تبقى بموجبه الأحكام السابقة سارية المفعول مع إعلان ضرورة ضمان دستوريتها في ظرف ثلاث سنوات . وفي حالة العكس تتاح الفرصة للمواطنين للجوء إلى المحكمة الدستورية. ب- حول تكامل التعديلات : إن التعديلات المقترحة تتسم بالتكامل: فبعضها يتعلق بتحديد نظام قانوني جديد لوظيفة رئيس الجمهورية (المواد: 26- 27 و28)؛ وبعضها يمنع الرجوع عن هذا النظام القانوني الجديد (المواد: 29: القسم و 99)؛ بينما تهدف التعديلات الأخرى إلى ضمان الحريات العامة (الصياغة الجديدة للمادة 104). ج- التقييم: خمس مزايا: 1- عملية بسيطة (تعديل الدستور) بدلا من عملية معقدة (دستور جديد) كانت لا بد أن تستغرق بعض الوقت؛ 2- عملية معتدلة: "أفضل الأمور أوسطها"؛ 3- عملية هادفة لأنها عالجت الترتيبات التي تحتاج إلى علاج وتركت الأخرى؛ 4- عملية أصيلة؛ 5- عملية تجديد دستورية. الأستاذ المبرز أحمد سالم ولد ببوط ضرورة إنصاف المواطنين الزنوج يبدو لي من خطاب الرئيس اعلي ولد محمد فال أثناء زيارته لسيلبابي أن جذوة الأمل بدأت تخبو، وأن مورد "العدالة والديمقراطية" بدأ ينضب، وبدأت منابعه تجف قبل أن يوجد منها ورد لوراد. لقد كان الخطاب محبطا، وباعثا على اليأس والتشاؤم.. فما زالت ارض التعايش السلمي تدور على قرن ثور، ومازال الوطن كرة تتنزى في كف سيزيف، ومازلنا رهن الأمزجة المتقلبة لأرباب النياشين والأحذية الخشنة. قضية المبعدين من أبناء الوطن الموريتاني لمالي والسنغال، هي القضية المحورية لوحدتنا الوطنية وتعايشنا السلمي. فنحن في بلد الامتزاج العرقي، وتكامل بياض العين بسوادها، من أجل بصر حديد كزرقاء اليمامة.. هنا اقتسمنا أيام محل الصحراء وشح الطبيعة مد الدخن وعصائد العيش، وتشاركنا الحبر والدواة والعمامة البيضاء، وكنا إنسانا رؤوفا بأخيه الإنسان، ومسلما يسند ظهر أخيه المسلم، ويشد أزره، من غير تفاضل وهمي، أو نعرة كاذبة. ومع دوران فلك الأيام، وإسراع نجائب الليالي مغذة الخطى، حدث شرخ كبير في جدارنا الاجتماعي، لم تزل الأيام تزيده عمقا، حتى أوشكت زلازله أن تعصف بأمن البلاد. ولأننا أمام أمر خطير، له ما بعده من مصير بلادنا ومستقبل وئامها الوطني، فإن علينا أن نملك الشجاعة للاعتراف بالواقع، وأن لا نكون كالنعامة التي تواري رأسها في الرمال كلما أحست خطرا. نحن - بصراحة- في بلد يسوده "البيظان"، ويهيمنون على مقدراته، ويتقاسمون فيه الامتيازات والسيادة المطلقة على السلطة والثروة.. هم من يحتكرون قرار تقرير مصير البلد والتخطيط لمستقبله بما يطابق مصالحهم القومية. أما "الزنوج" وهم السكان الأصليون للبلد، فأشباه أغراب في وطنهم. يعانون الفقر والتهميش والنظرة الاجتماعية الدونية. والحال أنه لا بواكي لهم من غير أبناء جلدتهم سوى قلة من أصحاب الضمائر "البيظان" الموسومين من طرف أبناء عمومتهم بالتطرف، الشيء الذي يجعل الأخوة الزنوج يحسون التفرد في النضال من أجل قضيتهم، فلن تحك جلودهم غير أظافرهم.. ذلك النضال الذي كان في أغلب أحايينه ردة فعل متطرفة على واقع اجتماعي متطرف. ولقد تعرضت وحدة الوطن وتعايشه لهزات عنيفة، بلغت حدها في فترة الرئيس المخلوع معاوية ولد الطايع فتعرض إخوتنا الزنوج خلال فترة حكمه لما تعرضوا له من نكال وتعذيب وتصفية وبمجرد الاشتباه بسعيهم لقلب نظام "البيظان". وكان لأزمة السنغال وما خلفته من ضحايا ومبعدين أثرها الكبير على جسد التعايش العرقي الذي أثخنته الجراح. وفي كل شكل تنظيمي تشكلت الحركات المطالبة بحقوق الزنوج، غير أنها في مقابل الأذن الصماء التي كان يعيرها النظام المخلوع، لم تتمكن من إيجاد صيغة غير تصادمية، تخاطب العقل والضمير الإنساني، وتربا بنفسها عن الكلام بلغة الدم والانتقام، مما جعل المتوجسين خيفة من "أن يصبح ظالمو اليوم مظلومين غدا" يقفون رصدا في وجه هذا الخطاب المتطرف الذي كانت تدلي به في الأساس "حركة أفلام". ظلت الفجوة عميقة بين سادة موريتانيا البيض وبين الزنوج الموتورين، فلم يسلم حتى حملة الفكر اليساري الأممي من شباب البيظان بأن يوصفوا بالعنصرية من طرف بعض إخوانهم الزنوج الأمر الذي كان يجعل البلاد على فوهة بركان ثائر. ..بعد رحيل العقيد ولد الطائع ظلت الأعناق مشرئبة إلى الأفق الجديد، لاستشراف حل عادل لمشكل التعايش العرقي، الذي يقتضي وجود عمل مجتمعي هادئ لاستيعاب حقوق أخوة مضطهدين، يتكافئون بموجبه في الفرص السياسية والاقتصادية مع "البيظان"، أصحاب الامتيازات غير المستحقة. وكان تجاهل القادة الجدد لملف المبعدين، ونكوصهم عن مراجعته بما تقتضيه مبادئ العدالة وحقوق المواطنة، واعتبارها أمرا ثانويا في عملية الإصلاح، كفيلا بأن يئد التفاؤل بإيجاد حل. ورغم أن طول الأمل حدا بالكثيرين إلى أن ينتظروا ما ستكشف عنه حبالي أيام المرحلة الانتقالية من حل للمعضلة، فإن خطاب الرئيس اعل ولد محمد فال جاء ليكسر قارورة الخزف في كف النحات. فاتهام نشطاء المطالبة بحقوق الزنوج بالولاء لغير بلدهم، ووصفهم بالفئة الضالة الشاذة، واعتبار التظلم والمطالبة بالحقوق الشرعية جريمة، والصدع بتبرئة البلد من "العنصرية" إنما يزيد الطين بلة، ويؤكد أنك لا تحس في جسدك تنمل جسم أخيك. لا فرق إطلاقا بين خطاب اعل ولد محمد فال وبين ما كانت تلهج به أبواق النظام المخلوع بصدد هذا الموضوع وهو ما يحرج الاخوة "أفلام - التجديد" المنشقين عن رفاقهم الداعين بالويل والثبور على "دولة البيظان" حيث سيقيمون عليهم الحجة بما معناه "أن ذيل الكلب لا يعتدل". هذا مع أن ما يخدم البلد هو التقارب بين الإخوة وليس التباعد، والتصافي وليس التنافر، وقد كانت لغة الرئيس المتشنجة، وهو في عقر منازل الزنوج الموريتانيين بعيدة كل البعد عن المبدأ الدبلوماسي الثابت،"دارهم ما دمت في دارهم، وارضهم ما دمت في أرضهم". إن الشفيق على بلده - وهو بطبيعته مولع بسوء الظن- هو من يحدس مستقبلا مشتعلا في ظل هذه الوضعية ويعمل جهد استطاعته على تفاديه. ولن يتأتي لنا تفادي ذلك الشبح المروع إلا بتطبيق المساواة والحرية والإنسانية. تلك الأثافي التي عليها تنضج قدر العدالة فلا يرضى الذوق الإنساني السليم أن يعيش أخوتنا الزنوج الموريتانيون أنصاف مواطنين في أرضهم. فلن يستقيم الحال على إرجاء غير مسمى، وغض الطرف عن جرائم الدم المرتكبة في حق الزنوج، فقد علمتنا الطبيعة وتجارب الحياة أن للدم دائما روحا ثانية. اللهم سلم حول الانتقال الديمقراطي يبدو انتقال بلادنا إلى الديمقراطية اليوم وكأنه أصبح أمرا حتميا لا تفصلنا عنه سوى بضعة استحقاقات انتخابية سيتم الانتهاء من تنظيمها في منتصف السنة المقبلة. لقد أصبحنا فجأة دولة قانون أو على الأقل بدأنا السير في هذا الاتجاه بسرعة فائقة وقد تم الإعداد لكل شيء بعناية كاملة وباتت الأرضية مهيأة للبناء الديمقراطي الذي شيدته الحكومة الانتقالية على الورق واستطاعت في أقل من خمسة أشهر تنفيذ ثلثيه على أرض الواقع. ذلك ما تؤمن به أو ما تردده قوى الثالث من آغسطس وما يصدقه أو ما يراد أن يصدقه الرأي العام اللاهث خلف أمل يتمسك به بعد سلسلة النكسات التي تعرض لها. وكل حديث اليوم خارج هذا الإطار ولو كان محاولة متأنية لفهم حقيقة التحولات الجارية في بلادنا ومدي قدرتها على إفراز الواقع الذي نتخيله أو الذي يعدوننا به، سيعتبر حديثا قليل الأهمية وخارج الموضوع هذا إذا حالفه الحظ ولم يصنف ضمن الجهود الرامية إلى التشويش على المرحلة الانتقالية أو في إطار المخاطر التي تتهددها والنابعة من ولاءات واعتبارات تبدو–بفعل مناخ التفاؤل السائد- أقرب إلى البديهيات. هذا المناخ الذي جعلنا اليوم أشبه بمن يسير معصوب العينين، مستسلما يتيه في صحراء مترامية الأطراف لأن أحدهم استيقظ ذات يوم وتنبأ له بأنه بعد السير 19 شهرا سيصل إلى حيث يريد! وإلا فما معنى أن تشارف المرحلة الانتقالية على انتصافها دون أن نلمس أي أثر لانطلاقة نقاش وطني جاد حول الرهانات الحقيقية لهذه المرحلة؟ هل لأننا تعودنا تصديق كلما يخبروننا به؟ هل نحن عاجزون فعلا عن المساهمة في صنع مستقبلنا وأصبحت فترات الأمل هي أقصى ما نطمح إليه؟ أم أننا أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من إقامة نظام ديمقراطي يستجيب لتطلعات الشعب وحاجته للتغيير؟ فشل الحكومة من الواضح أنا لن نستفيد كثيرا من هذه المرحلة البالغة الأهمية فيما لو واصلنا المسير وأعيننا معصبة، فلنكشف الغطاء قليلا علنا نرى مشاهد مما يجري على أرض الواقع استعدادا لليوم المحدد. فالديمقراطية لا تولد من فراغ ولم تكن الوعود كافية في يوم من الأيام لكسب معركتها وعلينا أن نكون متأكدين بأننا لن نحصد في نهاية هذه المرحلة إلا ما زرعناه خلالها، فهل تسير القاطرة فعلا في الاتجاه الصحيح وبالسرعة الكافية؟ وهل سيبقى القائد مسيطرا عليها حتى النهاية؟ وما تأثير الفوارق بين المقطورات التي يتواجد فيها الركاب على حظوظهم في نهاية الرحلة؟ لم يعد لدينا الكثير من الشكوك حول عدم أهلية الحكومة الانتقالية لخلق الظروف المواتية لانجاز التغيير الديمقراطي المطلوب ليس لأنها لا تمتلك الكفاءات اللازمة لذلك فحسب بل لأنها أيضا جزء من نظام تعودت على أساليبه وارتبطت مصالحها به فأصبحت رهينة لديه عاجزة حتى عن مجرد التفكير في إمكانية تغييره. ورغم حديثها عن الاصلاح والتغيير والمصلحة العامة فإنها لا تستطيع إخفاء شغفها بممارساتها السابقة وحنينها إلى ماضيها المظلم حيث التآمر على مصالح الشعب والاستئثار بخيرات البلاد. فلم تكتف هذه الحكومة بفرض التعتيم الشامل على ماضيها وترك كل الملفات التي كانت عالقة دون البحث لها عن حلول، بل عمدت إلى التلاعب بالمرحلة الانتقالية مرة تحت شعار التسامح ومرة أخرى بحجة إعطاء الوقت الضروري حتى لا تضطر إلى إدخال أي تغيير قد يهدد مستقبل النظام الذي وفر لها الرعاية في السابق وعهد إليها في نسخته الجديدة بالقيام على رعايته في انتظار أن يتمكن من البحث عن دماء جديدة قد تؤمن له الاستمرار في السلطة فترة أطول. الفاعلون الأساسين ليس الحكومة طبعا الفاعل الوحيد في هذه المرحلة وإن كان دورها بالغ الحساسية لذلك فإن عجزها ليس نهاية المطاف ما دام هناك شركاء آخرون في هذه اللعبة وعلى رأسهم يقف اليوم ما يسمونه "الفاعلون الأساسيون". يختفي وراء هذا المصطلح خليط عجيب من المصالح والأهواء والمطامح والمغامرات كلما يجمعه اليوم هو مسايرة الموضة الحالية التي تقضي بترديد عبارات مثل "مواكبة المرحلة الانتقالية" والظهور عبر وسائل الاعلام الرسمية أو في بعض المناسبات كديكور في مسرح الحكومة. وحتى لا نصاب بخيبة أمل كبيرة فسنكتفي هنا بالنظر إلى هؤلاء الفاعلين بشكل مجمل دون الاقتراب من تفاصيل كيان هش يعتبر أولى اختراعات الحكومة الانتقالية عندما كانت في أمس الحاجة إلى الاعتراف بها وإلى من يمد لها يد المساعدة للحصول على تأشيرة تسمح لها بالتنقل خارج الحدود. وسنقترح هنا التخلي عن المقاربة القديمة التي كانت تقسم الفاعلين السياسيين إلى معارضة ومساندة وذلك ليس انسجاما مع الفكرة الرائجة حول خروج ما كان يعرف بالأغلبية الرئاسية من السلطة وإنما لأن الأحداث أثبتت –وكنا ننبه إلى ذلك قبل الآن- وجود تداخل كبير بين ممارسات ومواقف بعض القوى التي كان من الصعب تصديق ما بينها من قواسم مشتركة عندما كان الصراع بينها يبدو وكأنه صراع بين نقيضين. كان الرأي العام في الظرفية السابقة غير قادر على التعرف بوضوح على الطبيعة الفعلية لهذه القوى والمصالح التي تدافع عنها والقاعدة الاجتماعية التي تعتمد عليها. وبدلا من ذلك التقسيم نقترح التمييز بين تلك القوى على أساس موقفها من التغيير الديمقراطي الذي يخدم مصالح الفئات العريضة من الشعب، أي على أساس تمثيلها لهذه الفئات وتعبيرها عن تطلعاتها ومصالها. فهي إما قوى تحاول بقاء الأوضاع الراهنة على ما هي عليه وتقترح تغييرا في الأشخاص أو هي قوى تغيير ديمقراطي تعبر عن مصالح ضحايا الأنظمة السابقة وتقترح مشروعا تقدميا يستجيب لحاجة المجتمع إلى تغيير جذري. تأجيل الصراع لحد الساعة تبقى قوى الوضع الراهن هي المسيطرة على الساحة ليس بفضل المراكز التي تتقلدها في مختلف مراتب هرم السلطة وما يضمنه ذلك من نفوذ داخل المجتمع ولا بفضل وجهائها وأحلافها التقليدية وأحزابها العتيدة (من المعارضة والأغلبية) المنتشرة هنا وهناك فحسب، وإنما أيضا بفعل جيش مرشحيها للرئاسة الذي بدأت تنشره داخل الساحة لاحتلالها ولسد الطريق أمام كل منافسة محتملة. وفي المقابل تقف قوى التغيير أمام هذا المشهد غير قادرة حتى على التعرف إلى بعضها البعض، فهي لم تستطع ومنذ البداية فرض نفسها كشريك معتبر في تسيير المرحلة الانتقالية، بل فضلت أو اضطرت للسير ضمن الركب العام مكبلة بشتى أصناف القيود ومضطرة للدفاع عن وضع لم تشارك في صنعه وتدرك جيدا أنه يتجه نحو تضييق الخناق عليها. والأدهى من ذلك أن الاتجاه العامل داخل هذه القوى ينحو باتجاه تغليب المصالح الخاصة للتشكيلات السياسية والالتهاء عن خوض الصراع الضروري لتوجيه المرحلة الانتقالية والتأثير فيها ، بحجة أولوية الاستعداد للإستحقاقات الانتخابية المقبلة بينما تنفرد قوى الوضع الراهن بالتنظير والتطبيق والإشراف وهو ما من شأنه ترك المجال مفتوحا أمامها لسرقة آمال الشعب وتزييف وعيه. الكتلة التاريخية |